الثلاثاء، 29 مايو 2012


السقطة التراجيدية بين مبارك والاخوان المسلمين:
السقطة التراجيدية مصطلح فى الأدب اليونانى يعنى الثغرة التى ينفذ منها البطل إلى مصيره المأساوى وعادة ما تكون عيب أخلاقى (تهور-  أنانية - جشع - طموح غير مشروع) ، وبالرغم من السقطات العديدة للرئيس السابق محمد حسنى مبارك إلا أننى أرى أن سقطته البارزة هى استحواذه المطلق للسلطة بشكل فج أثار حفيظة الشعب المصرى وقد ظهر ذلك جليا من خلال انتخابات مجلس الشعب الأخيرة وسياسة التوريث، وبالرغم من علمنا بقيمة التاريخ فى استخلاص العبر والمواعظ وبالرغم من أن مأساة مبارك لم يمر عليها إلا شهور إلا أن الاخوان المسلمين لم تعتبر وأراها تقع فى نفس السقطة التراجيدية بدءً من انتخابات مجلس الشعب مرورأ باللجنة التأسيسية وصولا إلى انتخابات الرئاسة ومخالفة وعدهم بعدم خوضها، مصر أحوج ما تكون الى سلطة ائتلافية بعيدا عن أطماع الحكم حتى لا نعود الى ديكتاتورية النظام السابق وليتنا نتعظ من أخطاء الغير. 

الأحد، 15 أبريل 2012




العلاقة بين الأدب والمجتمع فى ضوء نظرية الانعكاس
كثيرا ما تحدث نقاد الأدب عن العلاقة بين الأدب والمجتمع . وتطورت الدراسات النقدية فى هذا المجال بتطور المعرفة البشرية . على الرغم من أن دراسة العلاقة بين الأدب والمجتمع قديمة تضرب بجذورها فى أعماق الفكر الإنسانى إلا أنها دخلت فى القرن العشرين أفاقاً جديدة جعلتها مدار بحث بين كثير من المهتمين بالأدب .
وفى مجال الحديث عن كثافة الارتباط بين المسرح و تصوير الصراع الاجتماعى ، فقد بدأ الحديث عن عنصر الصراع بوجه عام ، بوصفه المقوم الرئيسى للعمل المسرحى ، فى أواخر القرن التاسع عشر ، فشمل كل أنواع الصراع :الاجتماعى والشخصى (الصراع بين الأفراد) والنفسى.ولكنه لم يلبث أن تدرج بعد ذلك ليصبح النوع الاجتماعى من هذا الصراع هو المقصود بصفة أساسية حين يأتى ذكر العلاقة بين المسرح والمجتمع.(1)
ويمكن لنا أن نقسم المذاهب النقدية التى تناولت هذه العلاقة ـ من منظور فلسفى ـ إلى نقد يتجه نحو الواقعية ، وآخر يتجه نحو المثالية حيث يعتمد النقد الواقعى بدوره على النظريات الفلسفية المادية التى تستخدم العلوم التجريبية والتحليل العلمى وطرح الخيال والعاطفة مرتكزة على الشرط الاجتماعى.(2)
ويعتبر "جورج لوكاش" G.LUCKACS فيلسوف الواقعية الأكبر فى النصف الأول من القرن العشرين هو المنظر الأساسى لمبادئ المدرسة الجدلية التى تعود إلى الفيلسوف الألمانى " هيجل " HEGEL ورأيه الذى بلوره فيما بعد " ماركس " MARX فى العلاقة بين البنى التحتية ( علاقات الإنتاج وقوى الإنتاج ) والبنى الفوقية (الثقافة والفنون والفلسفة ) ، حيث أوضح أن هذه العلاقة متبادلة ومتفاعلة مما يجعلها علاقة جدلية قائمة على التأثير والتأثر .
بمعنى أن أى تغيير فى البناء الاقتصادى والاجتماعى يؤدى إلى تغيير فى شكل الوعى أو مجمل البناء الفوقى الذى يعود فيؤثر فى البناء التحتى من خلال تثبيته أو تعديله أو تغييره ، فالواقع المادى فى تفاعل مستمر مع الأفكار . والتغيرات التى تحدث فى المجتمع نتيجة للتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية كلها تؤثر فى الوضع الإنسانى ومن ثم فى شكل الدراما ومضمونها ، وهذا يعنى أن الأدب انعكاسً للواقع الاجتماعى . (3)
هذا ، وكان يظن قبل ظهور الفلسفة المادية أن البنية الفوقية للمجتمع تتطور على نحو مستقل ومتميز كل التميز عن البنية التحتية حتى ربطته تلك الفلسفة بعضه ببعض وفسرته بعد وصله بتطور المجتمع .
"وخلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين أدرك بعض علماء الاجتماع أهمية إيجاد فرع متخصص من فروع المعرفة السوسيولوجية لدراسة الأدب باعتباره ظاهرة اجتماعية مثل باقى الظواهر الاجتماعية الأخرى ، وأطلق على هذا الفرع الجديد من الدراسة أسم ( علم اجتماع الأدب ) "(4)
وقد أكد هذا العلم الجديد على أن الأدب ليس نتاجا فرديا ، بل هو ضرب من ضروب الإنتاج الجماعى ، ومن هنا يتضح أهمية المجتمع فى عملية الإبداع الفنى بشكل عام ، والإبداع الأدبى بشكل خاص ، فالأدب يتأثر بالأوضاع الاجتماعية والتاريخية ، وهو مشروط بالظروف الاجتماعية والتاريخية . والعلاقة بين الأدب والمجتمع هى أولا وأخيرا علاقة تأثير وتأثر ، ولقد أكد عالم الاجتماع الفرنسى "إميل دور كايم" E.durkherm على اجتماعية الظاهرة الأدبية بقوله " أن الأدب ظاهرة اجتماعية ، وإنه إنتاج نسبى يخضع لظروف الزمان والمكان ، وهو عمل له أصول خاصة به وله مدارسه ولا يبنى على مخاطر العبقرية الفردية، وهو اجتماعى أيضا من ناحية انه يتطلب جمهورا يعجب به ويقدره . " (5)
والمسرح بوصفه أحد الأجناس الأدبية يعتبر " أكثر الفنون ارتباطاً بالحياة فهو نشاط إنتاجى جماعى جدلى تتحول فيه الممارسة الإبداعية إلى ممارسة اجتماعية معرفية عبر عمليات الإرسال والتلقى وإعادة إنتاج الدلالة بصورة مستمرة مع كل عرض فى سياق توأمة الحوار الدائم مع الواقع المتغير." (6)
وأكثر النظريات تمثيلا لهذا الاتجاه هى " نظرية الانعكاس " والتى تهتم بالعلاقات والنظم المادية داخل المجتمع ثم تبحث فى طبيعة الصلات والعلاقات والمتبادلة بين المجتمع والأدب من خلال رصد التأثيرات المتبادلة بينها ، تلك الوظيفة التى يبلورها د/ أبو الحسن سلام فى مجال المسرح فيعرفها على أنها " قصر غاية التلقى على الانعكاسات المتبادلة للمجتمع إرسالا واستقبالا مؤكدا على امتطاء الذات الاجتماعية لعلاقات الإنتاج وانعكاسات الصراع الطبقى على بنية النص أو العرض المسرحى " (7) ويتأكد هذا المعنى من خلال كلمات "ماركس " Marx حين يقول : أن الأدب والفن هما سلاح الطبقة ففى المجتمع المقسم إلى طبقات يعكس الأدب والفن بطريقة مباشرة ، أو غير مباشرة معنويات طبقة معينة ، وآرائها السياسية وذوقها الجمالى." (8)
ذلك أن ما طرأ على المجتمع الإنسانى من تطور اقتصادى وسياسى وفكرى فى مطلع القرن العشرين ، وما لحق به من حروب طاحنة عالمية ومحلية وما استجد من نظم سياسية وما خاضته بعض الدول من ثورات وصراعات لنيل الحرية والاستقلال كل ذلك فرض على الأديب دورا فعالا فى المجتمع الذى يعيش فيه والمشاركة فى قضاياه بما يضمن مواجهة الفساد . فالأدب ـ فى نظر الباحثين ـ أداه من أدوات الاصلاح الاجتماعى بوصفة وسيله من وسائل الدعاية الثورية ضد الممارسات الفاسدة (9). ولا يختلف اثنان فى أن هذه الوظيفة التنويرية للأدب هى التى تستهدفها نظرية الانعكاس وهى التى نادى بها الفلاسفة والمفكرون منذ أقدم العصور حيث يؤكد سقراط Socrates على أن "الفن سواء ما كان فنا جميلا أو فنا صناعيا له وظيفة تخدم الحياة الإنسانية والأخلاقية." (10)
وإذا تتبعنا الجذور التاريخية للعلاقة بين الأدب والمجتمع سنجد أن مفهوم الانعكاس يضرب بجذوره فى أعماق الماضى وأن الفكرة التى مؤداها أن الأدب يعكس المجتمع ويصور الواقع الاجتماعى ليست بالفكرة الجديدة بل هى قديمة قدم مفهوم أفلاطون Plato عن المحاكاة .
فقد أشار أفلاطون إلى مفهوم " المرآة التى توضع أمام الطبيعة لتمثل فكرة انعكاس الحياة فى الأدب وأستخدم أرسطو أيضا مفهوم المحاكاة حيث أكد على أن الفنون بصفة عامة تعد محاكاة للواقع وأصبحت هذه الفكرة مألوفة بعد ذلك فى النقد الأدبى ابتداء من عصر شيشرون الرومانى حيث استخدم مصطلح " مرآة العادات " أى أن الاعمال الفنية والأدبية تصور العادات والتقاليد المجتمعية واستخدم هذا المفهوم أيضا لدى نقاد العصور الوسطى وكانت تشير فى هذه الحقبة إلى نوع تعليمى انتشر منذ القرن الثالث عشر حتى القرن الخامس عشر وتقدم أعمال هذا النوع لطبقات مختلفة من الأفراد مثل "مرآة العذارى" "مرآة الراهبات" ....... الخ والمرآة هنا لا تعنى ما هم علية بل ما يجب أن يكونوا عليه ، وبعكس العرف السائد حاليا كانت وظيفة المرآة حين ذاك معيارية وليست تصويرية وقد استخدم شكسبير مفهوم " المرآة والانعكاس " فى مسرحه حيث كان يؤكد على واقعية الفن الذى يجب أن يكون ـ على حد تعبيره ـ انعكاسا للحياة لا تحريفا لها . (11)
ومن المثير للدهشة فى هذا العرض التاريخى الوجيز أن أفلاطون أستاذ المثالية الأول والذى أقصى الشعراء من مدينته الفاضلة قد اعترف بوظيفة الفن الاجتماعية والسياسية فقد ذكر فى كتابه " القوانين " Laws " أن الفن يساهم فى تكوين المواطنين ، ويقوى المجتمع برابطة تصل كل منا بالآخرين . " (12)
وما إن ظهر مصطلح الواقعية فى الأدب فى منتصف القرن التاسع عشر حتى صار تعبير "أن الفن انعكاس أمين للطبيعة " شعارا لها (13) واعتبرت الفن المقبول والذى تباركه هو ما كان مرتبطا بالمجتمع مقدما له ما يتفاعل معه ويغير منه ، وعلى هذا المعتقد فإن الأديب عليه أن يغترف مادته من المنهل العام للمجتمع وأن يغمس قلمه فى مشكلاته وان تكون لديه القدرة على الإحساس بتموجات الحياة الاجتماعية والرصد الدقيق لخلجات المجتمع والاستكشاف الواعى لقضاياه من خلال رؤية ثاقبة وحس مرهف فالتجربة الأدبية تنشأ فردية آنية ، ولكنها لا يمكن أن تبلغ مداها وتحقق ذاتها إلا إذا خرجت من حدود الفرد إلى المجتمع ، ومن الواقع الخاص إلى الواقع العام وغدت المشكلة فى نفس الأديب رمزاً للمشكلة فى ضمير الإنسانية لان المجتمع هو مجال تكامل التجربة الأدبية ، كما انه هو مجال تكامل الفرد .
وترجع أول معالجة حقيقية للعلاقة بين الأدب والمجتمع إلى الفيلسوف الفرنسى "هيبوليت تين" H.taine وعلى غرار سابقيه أمثال "أوجست كونت" Auguste conte 1798 ـ 1856 مؤسس الفلسفة الوضعية وأول من صك مصطلح علم الاجتماع . حاول تين إخضاع الأدب والفن إلى أسس مادية مستقاة من المجتمع تعكس حقائق مؤكدة ومحددة، حيث يرى أن الأعمال الأدبية ينبغى أن تفهم على أنها نتيجة أو محصلة ثلاثة عوامل متمازجة العصر ، والجنس (العرق) ، والبيئة . (14)
فإذا بدأنا بالجنس سنجد أن تين taine قد عرفه فى ضوء السمات النظرية والوراثية والمزاج الانفعالى حيث أشار إلى أن هناك اختلافا واسع النطاق بين الأجناس البشرية بعضها البعض من حيث الظروف المعيشة و الموطن الأصلى والأصل التاريخى .. الخ "حيث يكتسب الجنس الخصائص المميزة له من البيئة الطبيعية والعادات والتقاليد المتوارثة والأحداث التاريخية التى مر بها فى أصله .فضلاً عن الدوافع والرغبات الدفينة التى تلعب دوراً هاماً فى صياغة الفعل الإنسانى وتطويره " . (15)
وبالنسبة للعصر وهو العامل الثانى الذى يحدد شكل ومضمون الأدب ـ كما أشار تين ـ فقد قصد به الأفكار والمفاهيم الإنسانية المسيطرة على روح العصر المنتج للعمل الأدبى وأخيرا أكد تين على دور البيئة كعامل أساسى فى تحديد شكل ومضمون الأجناس الأدبية وتعنى البيئة أشياء كثيرة كالمناخ والجغرافيا الطبيعية والنظم الاجتماعية التى تحتضنها هذه البيئة .
أما نظرية الانعكاس فقد ارتبطت بالمعنى الحرفى لها بـ " لينين " حيث أكد أن إحساسنا وشعورنا ليس سوى صورة للعالم الخارجى وهذا القول يؤكد على أن الاعمال الفنية ـ بصفة عامة ـ ما هى إلا انعكاس للواقع وان الأدب ـ بصفة خاصة ـ مرآه تصور الواقع الاجتماعى فى تناقضه وتعقده ولذلك كان " تولستوى " عند " لينين " مرآة الثورة الروسية لعام 1917 حيث كان مرآة حقيقية لتلك الظروف المتناقضة التى أحاطت بنشاط الفلاحين التاريخى فى هذه الثورة .(16)
ويرى ماركس Marx "أن الإنسان كائن اجتماعى ينبع إبداعه من نشاطه العملى ويطرأ عليه التغير والتبدل بعمله على تغيير الطبيعة وتبديلها."(17)
إن كلمات ماركس تحمل إشارة واضحة للدور الوظيفى للفن فى المجتمع ذلك الدور الذى يؤكده عالم الانثروبولوجيا الفرنسى " ليفى شتراوس" Levi Strauss فى عبارة لها مغزاها ودلالاتها العميقة حيث يقول :
" إن الزهرة التى تنمو فى البرارى دون أن يشعر بوجودها أحد لا تعنى شيئا على الإطلاق ولكنها تكتسب معنى محددا ، وتؤدى رسالة واضحة للجميع ، حين تصبح جزءا فى إكليل الزهور الذى يرسل فى تشييع الجنازات ، أو فى تكوين باقات الزهور التى ترسل للمشاركة فى الأفراح ."(18)
وبالقياس على الفنان نجد أن وجوده الفعال يتحدد بمدى تعايشه لواقعة الاجتماعى والمشاركة فى قضاياه بعرضها والدفاع عنها أو معارضتها من وجهة نظر حرة حريصة على قيام العدالة والمساواة والحرية بهدف الاصلاح والتغيير .
ولا شك أن الأدب كما يقرر رينيه ويليك " نظام اجتماعى يصطنع اللغة وسيطاً له ، واللغة إبداع اجتماعى وإذا كان الأدب يمثل الحياة فإن الحياة ذاتها حقيقة اجتماعية.(19)والكاتب المسرحى حينما يصور لنا كائنا إنسانيا كاملا فهو لا يعيد تصوير الإنسان فقط بل يعيد تصوير المجتمع الذى ينتمى إليه هذا الإنسان . وهذا المجتمع ليس إلا ذرة من الكون ومن ثمة فالفن الذى خلق هذا الإنسان يعكس لنا الكون كله." (20)
ويفسر "بول فاليرى" Paul valery العلاقة بين الفنان وبين الآخرين فيؤكد أن الفنان فى أثناء عملية الخلق الفنى يضع نصب عينيه الذين سيتوجه إليهم بعمله ومدى تأثيره فيهم فيقول : إن المبدع هو ذلك الشخص الذى بإمكانه أن يدع الآخرين يبدعون ، فالفنان والمتلقى يتشاركان بفاعلية وتتحدد قيمة العمل الفنى من خلال هذه العلاقة التبادلية بين كلا منهما . وفى المسرح إذا لم تكن هناك علاقة تفاعل بين خشبة المسرح والمشاهدين فإن المسرحية تموت أو تصبح رديئة أو لم يعد لها وجود على الإطلاق.(21)
وبناءً على ذلك فإن الكاتب عندما يبدأ بالتفكير فى عمل فنى يبدأ بحساب التأثيرات الخارجية، فهو يهتم عن وعى أو غير وعى بالأشخاص الذين سيتأثرون بعمله ، ويكون لنفسه فكرة عن هؤلاء الذين يتجه إليهم كما يتصور من ناحية ثانية الوسائل التى يمكنه أن يحصل عليها لتحقيق هذا التأثير .
ويشير جان دوفينو jean duvignaud ( عالم اجتماع فى مجال المسرح ) إلى محور آخر من محاور العلاقة بين الأدب والمجتمع ،حث "يعتبر الدراما نوعاً من الميزان الثقافى الذى يسجل أزمة القيم والمعايير الأخلاقية لعصر معين ويظهر فضائح الخلاف مع الأخلاق الرسمية " (22)
وقد تناول نقاد الأدب العربى العلاقة بين الأدب والمجتمع بالبحث والتحليل فيؤكد "طه حسين " على أن كل أديب لا يستقى مادته وروحه من حياة الشغب فليس أديبا ، ولا هو بكاتب للأدب وعلى ذلك فلابد من أن تعرف ماذا يقول الشعب وكيف يعيش الشعب وكيف يحكى حكاياته وأقاصيصه ولابد للأدباء من دراسة الأدب والحياة فى البيئات المختلفة للناس، ويرى "أحمد أمين" فى كتابه " النقد الأدبى " أن الأديب ليس حقيقة مفردة مستقلة منعزلة ، بل له صلاته التى تربطه بالماضى والحاضر ، وأفكار الشاعر أو الأديب هى لدرجة كبيرة وليدة البيئة ، وعلى ذلك فخير تعريف للأدب انه التعبير عن الحياة ، أو بعضها ، بعبارة جميلة . وإلى شيء من هذا يذهب " محمد حسين هيكل " فيعرف الأدب بأنه فن جميل غايته تبليغ الناس رسالة ما فى الحياة من حق وجمال بواسطة الكلام إن "طه حسين " ، و " احمد أمين " ، و " محمد حسين هيكل " يقرون بوجود العلاقة الوثيقة بين الأدب والحياة وكلامهم السابق له أثره فيما أنتجوه من أدب مصرى ، وما أضافوه إلى النقد خلال الحقبة الأخيرة من تاريخنا.(23)
ويؤكد "لويس عوض " على أن " الأدب لا ينفصل عن المجتمع ، وليس نشاطاً فى فراغ، فالأدب والفن والفكر والسياسة والإصلاح الاجتماعى ... كل هذه الأشياء أدوات للتعبير الاجتماعى ، وليست مجرد فانتازيا."(24)
أما "نبيل راغب " فيقر بالعلاقة بين الأدب والمجتمع فيقول " أن العلاقة بين الأدب والحياة علاقة عضوية متبادلة تأثيراً وتأثراً مثل العلاقة بين العلم والحياة وإذا كان العلم يغير أنماط الحياة على كل المستويات ، فأن الأدب يقوم بنفس المهمة لأنه يؤثر فى وجدان الناس ويغير من نظرتهم إلى الحياة وبالتالى سلوكهم فيها." (25)
ويؤكد على أنه " لا يمكن الفصل بين الفن والحياة ، إذ أننا لو قمنا بهذه المهمة فسنفصل الروح عن الجسد ومن ثم تصير الروح شيئاً مجرداً لا نستطيع إدراكه أو استيعابه ، ويتحول الجسد إلى جثة هامدة لا حراك فيها." (26)
ويتفق " توفيق الحكيم " مع "جان دوفينو" فى الربط بين المذهب الفنى والمذهب الخلقى حين قال " هناك صلة فى اعتقادى بين رجل الفن ورجل الدين ذلك أن الدين والفن كلاهما يضيء من مشكاة واحدة ، هى ذلك القبس العلوى الذى يملأ قلب الإنسان بالراحة والصفاء والإيمان وان مصدر الجمال فى الفن هو ذلك الشعور بالسمو الذى يغمر الإنسان عند اتصاله بالأثر الفنى ، ومن أجل هذا كان لابد أن يكون مثل الدين قائماً على قواعد الأخلاق." (27)
وبناءً على كل هذه الآراء يمكننا القول بأن الفن والأدب هما من المؤسسات الاجتماعية المتفاعلة مع الواقع الاجتماعى ومتغيراته بغرض الإصلاح والتقويم .
ويمكن أن نشير إشارة سريعة إلى بعض النماذج من المسرح العالمى والمصرى التى تؤكد المقولات والآراء السابقة . فالأدب فى المجتمع الاثينى له بطبيعة الحال أهمية من حيث هو أحد جوانب الحياة الاثينية ، فقد كان مرآة حقيقية لها فأوديسية "هوميروس" تعبر دون شك عن اليونان القديم . ( 28)
فالمسرح اليونانى الذى تميز بتركيزه على الفكر الفلسفى والميتافيزيقى لم يخل من النقد الاجتماعى حيث ينفى عنه "ريموند ويليامز" Raymond Williams ذلك الاعتقاد بأنه ينهض على أسس فردية بحتة ونماذج متفردة ويقول فى ذلك "لقد أصبح من الواضح الآن أن الفعل فى التراجيديا الإغريقية لم يكن ينتمى إلى حالة فردية ، أو ينتمى إلى واحدة من تلك الأحاسيس النفسية التى تخصنا ، ولكنه يمتد بجذوره إلى التاريخ بوجه عام . وينتمى الفعل فى التراجيديا الإغريقية ليس إلى شخصية فردية متميزة ، ولكن إلى الإرث الإنسانى كله ، والى العلاقات المتبادلة فى عالم يتجاوز الإنسان ويتفوق عليه فى النهاية ، وعلى ذلك فان ما نشاهده على المسرح هو فعل عام ولكنه نوعى ومتميز ، وليس فعلاً فردياً شائعاً ، وما نتعلمه من التراجيديا ليس خاصية أخلاقية معينة وإنما نتعلم تقلبات العالم وتحولاته" . (29)
ولنأخذ مثالاً على ذلك بمسرحية "انتيجونى " ، ففى هذه المسرحية يركز " سوفوكليس " Sophocles وعلى مرحلة من مراحل التطور الاجتماعى ، فالقرار الذى يصدره "كريون" بعدم دفن "بولينييس" لخيانته لوطنه ، خروج عن ناموس قديم هو احترام كرامة الإنسان . وخروج "انتيجونى " على قرار كريون ثورة على الوضع الجديد والسلطة الجائرة وتأكيد لناموس اذكى فالصراع فى هذه المسرحية لم يكن فقط صراعاً بين القوانين المدونة التى يمثلها الحاكم كريون والقوانين السماوية غير المدونة التى تمثلها انتيجونى بل هو أيضاً صراعاً يرتبط بالواقع الاجتماعى من خلال محورين: المحور الأول يتمثل فى كونه صراعاً بين قوى الدكتاتورية التى يمثلها كريون وحرية الرأى التى تجسدها انتيجونى . أما المحور الثانى فيتمثل فى كونه صراعاً بين قانونين أخلاقيين متضاربين فى فترة اجتماعية تاريخية معينه . (30)
وقد كان المسرح الأثينى بحق مرآه عاكسة للمجتمع خاصة بعد الضياع الذى بدأ يسيطر عليه عقب هزيمته فى الحروب البلوبونيسية ، والنضوج الديمقراطى الذى أتاح فرصة التعبير عن هذا الضياع ، الأمر الذى أدى إلى ظهور مجموعة من الكتابات التى حاول أصحابها أن ينتبهوا إلى الطريق الأمثل للخروج من المأزق الذى وجد فيه المجتمع الاثينى ، فقد كانت مشكلة السلام تقض مضاجع القدماء كما تقض اليوم مضاجعنا ، وذهبت أحلام القدماء مذاهب شتى فى تصور عالم تختفى فيه الحروب ويسود فيه السلام على وجه الأرض ومنهم "ارستوفانيس" Aristophanes الذى وجد فى قضية السلام مناسبة يجرب فيها فكاهاته المريرة وسخريته الموجعة فيقدمها فى معظم مسرحياته ومنها "ليزستراتا" وفيها تتعهد نساء الدول المتحاربة "ليزستراتا" بالامتناع عن الاتصال الجنسى بأزواجهن حتى يقلع الرجال عن الحرب . (31)
وفى مسرح العصور الوسطى ، نجد بعض الإشارات الاجتماعية فى المسرحيات غير الدينية ، فمسرحية " روبان ومريون" تصور سيطرة الإقطاع ، وتأثيراته السلبية على الفلاحين البسطاء". (32)
كما أن مسرحيات عصر النهضة تعد انعكاساً لمرحلة تطور اجتماعية " إذ هى تصوير للصراع بين الإقطاعية التى تلفظ آخر أنفاسها ومولد المجتمع الطبقى الجديد . ففى "الملك لير " يسجل "شكسبير" Shakespeare بتصويره للعلاقات بين لير وبناته وجولستر وأولاده انحلال العائلة كمجتمع إنسانى والاتجاهات البشرية التى نجمت عن تحطيم العائلة الإقطاعية . " (33)
فقد شُغل "شكسبير " فى عدد كبير من مسرحياته بفكرة الحُكم الرشيد ، وصور ما يمكن أن ينزل بمجتمع من كوارث ضخام حين يخرج الحاكم عما يناط به من وظائف فى المجتمع.
كما قدم " شكسبير " والذى يعتبره النقاد من كبار الرومانسيين ، وإن سبقهم بأكثر من قرن كامل ، قدّم أدباً يعد صورة صادقة للأزمات والمشكلات الاجتماعية التى حلت بالمجتمع الإنجليزى بسبب الحروب الداخلية التى كانت موجودة فى عصره ، ولقد ظهر هذا واضحاً فى العديد من أعماله المسرحية : هملت ، كما تهواه ، مكبث ، تاجر البندقية ، وغيرها . هذا فضلا عن بعض الأعمال الأخرى التى تجسد مختلف جوانب الحياة الاجتماعية وتصور القيم الاجتماعية تصويراً دقيقا. " (34)
فعلى سبيل المثال ، نجده قد صور العلاقة بين الأجير ورب العمل وأبرز الجشع المادى الذى يتحكم فى هذه العلاقة فى مسرحية "كما تهواه" . كما عبر عن وضع اليهود فى أوروبا فى مسرحيته "تاجر البندقية" حيث تسلل إلى عقل اليهودى الجشع وتحسس دوافعه ، لهذا نجده جعل "شايلوك" يعانى من الحقد والظلم اللذين عانى منهما اليهود ، ووضع على لسانه بعض الخطب الرائعة ليجعلنا ندرك هذه الدوافع ، وكانت النتيجة أن الإخراج الحديث لهذه المسرحية غالباً ما يثير الكثير من العطف على " شايلوك" بقد ما يثير من مقت وكراهية لجشعه ."(35)
وقد شهدت الدراما الحديثة تحولات فنية متنوعة جاءت مواكبة للتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فمنذ منتصف القرن التاسع عشر بدأ الاتجاه نحو الواقعية وتطورت الدراما الاجتماعية التى تعالج مشكلات حقيقية ولا شك فى أن كتاباً مثل "إبسن" Ibsen ، "وشو" Shaw ، و "تشيكوف" Anton Chekhov قد ساهموا فى إحداث تغيرات فعالة .
"فلقد اعتنق الشاعر النرويجى "إبسن" مذهب الواقعية فى الأدب عقب الحروب التى خاضتها روسيا مع الدانمارك ثم مع فرنسا ، وما تبعها من معاهدات ، وأحداث سياسية ، وهزات اجتماعية ، فكرس نفسه لتشخيص أمراض المجتمع ، وأدوات النفس البشرية فبدأ يكتب مسرحياته باللغة التى يتحدث بها الناس ، وسرعان ما أصبح أحد زعماء المدرسة الواقعية ، وفى سنة 1877 كتب "إبسن" المسرحية الشعرية " أعمدة المجتمع" التى عالج فيها مشكلة النفاق الاجتماعى ، ثم مسرحية " بيت دمية " التى وجه فيها سياط نقده إلى وضع المرأة فى المجتمع وعدم مساواتها بالرجل باعتبارها إنساناً له شخصيته وكرامته لا مجرد دمية لا دور لها فى الحياة سوى إمتاع زوجها وتسليته." (36)
أما "شو" فقد تضمنت مسرحياته أراءه فى العلاقات الإنسانية والاجتماعية " وهو كاشتراكى من مؤسسى الجمعية الفابية الاشتراكية فى إنجلترا يعتبر نفسه داعية لها يعبر بفنه المسرحى عن أهمية التحول الاشتراكى للمجتمعات الراقية . إن كل المشاكل التى طرحها شو للمناقشة خلقها فى الواقع المجتمع الطبقى الرأسمالى " (37)الذى أبرز شو سلبياته وتناوله بالنقد اللاذع فى معظم مسرحياته فنراه فى مسرحية " منازل الأرامل" يصور الرأسمالية كالأخطبوط تمد أطرافها فى كل نواحى المجتمع فيستشرى فيه الظلم والفساد القائم على الاستغلال والحصول على المال بأى وسيلة دون اعتبار للقيم الأخلاقية والإنسانية. كما نراه يطرح قضية الصراع الطبقى فى مسرحية " بيجماليون" بوجهة نظر جديدة " فهو يرى أن المسألة ليست مجرد فروق اقتصادية بين الطبقات بل عادات متأصلة فى نفوس أفراد كل منها." (38)
ويرى تشيكوف " أن مأساة العصر الحديث إنما هى مأساة ضياع الهمم والأفكار وسط سلسلة كالحة مريرة من تفاهات الحياة اليومية ، وسخافات العيش الروتينى . إن مأساة العصر الحديث فى نظره هى مأساة البلادة والضياع والهمة التى لا تشتعل إلا ريثما تخبو مأساة الذين لا يهبُّّون لمقاتلة القدر ، بل يتلقون صفعاته صاغرين ولا يملكون إلا أن يأملون فى مستقبل لا توجد فيه صفعات " (39)لهذا تتطلع الشقيقات الثلاث فى مسرحيته التى تحمل نفس الاسم إلى الانتقال إلى "موسكو " ، حربا من الحياة الضيقة العقيمة التى يحياها الجميع فى بلدة صغيرة من بلدان الريف الروسى .
والحديث السابق عن المسرح وارتباطه الشديد بقضايا المجتمع ينقلنا للحديث عن المسرح الموجه الذى يعتبر أيضاً أحد الاتجاهات الحديثة التى تؤمن بفكرة التزام الكاتب بقضايا مجتمعه، محاولاً أن يعكسها فى إبداعاته الأدبية .
ويعرف رفيق الصبان المسرح الموجه بأنه "مسرح تعليمى وتوجيهى وثقافى تختفى وراؤه دائما تيارات سياسية واقتصادية تحاول أن تجعل منه أداه فكريه خطيرة يمكن استغلالها إلى أقصى الحدود." (40) ويعتبر "اروين بسكاتور" Erwin Piscator ـ الذى يعد أول من اعتنق فكرة المسرح السياسى ـ من أكبر رواد هذا الاتجاه فهو لا يريد أن يلعب دور الفنان بل دور السياسى عن وعى وتسليم بالحاجة إلى التعريف بشكل واسع بالصراع الطبقى ، والمشاركة فى قيادته. إنه يريد للطبقة العاملة أن تعرف ، وأن تكافح عن وعى بالحقائق ، لذل فقد سعى إلى تخطيط وتنفيذ نوع جديد من المسرح موجه بالكامل إلى الدعاية السياسية والاجتماعية ويقصد به مسرح الطبقة العاملة (المسرح البروليتارى) (41)
كما أكد بيسكاتور على أن وظيفة المسرح بصفته مؤسسة فنية قد تعدلت ، ولم تعد مهمة المسرح قاصرة على النواحى الجمالية فقط ، بل أصبح من مهماته مخاطبة عقول الجماهير ، بعد أن كان ذلك قاصراً على مخاطبة عواطفهم وانتظار رد الفعل لذلك، لقد أصبح المسرح اتصالاً وثيقاً بالمشاهدين ، وأصبح من ضمن مهماته توصيل المعرفة بوضوح تام ، فالمسرح يصل إلى نهايته المنطقية فى الحياة الاجتماعية والسياسية . " (42)
وقد حذا تلميذه "برتولد بريخت " Bertolt Brecht حذوه حيث يرى "أن المسرح مرآه حقيقية تنعكس عليها مشاكلنا كلها . ويؤمن بعد ذلك أن مسؤولية جسيمة وخطيرة تقع على عاتق هؤلاء الذين يعملون بالمسرح ويعملون من أجله أنهم صنعة التاريخ لذلك لا يحق لهم بشكل من الأشكال أن يهربوا من المؤثرات المدهشة اقتصادية كانت أم سياسية التى تحيط بمجتمعهم ليعالجوا مشاكل عاطفية بعيدة عن التأثير المباشر أو التوجيه الفكرى العميق. (43)
فقد جاءت المحاولات التى قام بها "بريخت " فى المسرح كرد فعل للتغيرات التى لحقت بالمجتمع الألمانى فى أعقاب الحرب العالمية الأولى وما أحدثته هذه الحرب من تغير فى الوعى السياسى والاجتماعى نتيجة لانهيار كثير من القيم "فلقد كان هدف "بريخت" الأول أن يجعل المتفرج يرى العالم الحقيقى ويفهمه ، أن يجعله يفهم كيف تدور الحياة فى المجتمع الرأسمالى المعاصر بحيث يسعى إلى تغييره فلقد كانت مسرحيات " بريخت " تعكس قضايا الإنسان وصراعه المرير مع القهر والاستغلال." (44)
ويظهر هدفه هذا بوضوح فى مسرحية " الاستثناء والقاعدة" حيث لخص " بريخت " على لسان مجموعة الممثلين فكرته عن المسرح الذى يجب أن يكون هدفه توجيه المتلقى لتغيير الواقع الذى اعتدنا علية لتصحيح الأخطاء التى أصبحت قاعدة على الرغم من أنها لابد أن تكون هى الاستثناء .
وقد اعترض "بريخت " على نظرية "أرسطو" فى المسرح التى تقوم على محاكاة الواقع وإيهام المشاهدين بأن ما يشاهدونه هو هذا الواقع فعلاً وحاول أن يتخطى هذه المحاكاة ، وهذا الإيهام إلى مفهوم آخر للمسرح (المسرح الملحمى ) حيث يناقش الواقع مناقشة ديالكتيكية بقصد تنوير الجماهير بحقائق هذا الواقع ، فهو يرى أن المسرح رسالة اجتماعية وسياسية لابد أن يستفيد منها المتلقى ، وأن ينعكس هذا على تصرفاته حيال القضايا الاجتماعية التى تواجهه لذا فهو لا يريد للمتلقى أن يتقبل الواقع كما هو ، بل يريد له أن يناقشه عقلانياً ويفرق بين ما هو قاعدة وما هو استثناء . وفى أعمال رائد الوجودية "جان بول سارتر" J.P.sartre ما يؤكد قوله بأن " لا وجود للفن إلا بواسطة الآخرين ومن أجلهم " (45)، فهو يرى أن هدف الكاتب هو "أن يساعد على إحداث تغييرات محددة فى المجتمع الذى يعيش فيه وأن يتحالف مع كل الراغبين فى تغيير وضع الإنسان الاجتماعى ومستوى إدراكه بحيث لا يدع إنساناً يجهل العالم أو يدعى السذاجة " (46)، فنجده وقد قاد هجوماً عنيفاً على ألمانيا النازية بوصفها محتل غاصب لأرض بلاده فى مسرحيته "الذباب "، كما نراه ناقداً لاذعاً للمجتمع الأمريكى متهماً إياه بافتقاده لمفاهيم المساواة الإنسانية مما لا يتناسب مع مكانة أمريكا على الساحة العالمية بطرحه لقضية التفرقة العنصرية فى مسرحية "المومس الفاضلة " . وتعرض مسرحية "الجحيم " فى صورة نتوء بارز العلاقات والصلات البشرية التى لا يمكنها أن تقوم أو تستقيم وسط عنف التصادمات التى تنجم عن الأنانية وتضارب المصالح ليصبح الجحيم هو الآخر الذى يعذبنا وينكر علينا حريتنا بان يصدر ضدنا أحكاماً يديننا بها ومن ثم يصبح قاضياً وجلاداً فى نفس الوقت .
" ولعل السبب فى نظرة سارتر المتشائمة إلى علاقة الإنسان بالآخرين لا ينحصر فى طبيعة سارتر أو تكوينه النفسى إنما يعزى إلى أن مسرحه قد ولد فى جو فرنسا المحتلة وفى عصر المقاومة الشعبية وما تبع ذلك من وحشية الاستعمار وألوان الخيانة بين الفرنسيين أنفسهم مما جعل هذا المسرح يستنشق هواء الحرب والقتل والتعذيب ويفوح بجميع ضروب الإذلال التى توجه ضد روح الإنسان وجسده وسعادته." (47)
إن الإبداعات الأدبية لسارتر فى النصف الثانى فى القرن العشرين كانت تعكس أزمة القيم التى يعيشها الإنسان فى ظل الحرب العالمية الثانية ، فكرة اغترابه عن العالم.(48)
وفى المسرح الأمريكى اتخذ "يوجين أونيل " Eugene O neille بعض المواقف من العاهات الاجتماعية عبر مسرحياته الأولى إلا انه قد مال إلى التعمق فيها عبر مسرحيات لاحقه كما فى الإمبراطور جونس ، "القرد المشعر" "أبناء الله كلهم لهم اجنحة" ، وتتناول الأخيرة قصة زواج بين امرأة بيضاء وزنجى ، وقد أثارت هذه المسرحية عاصفة من الاحتجاج العنصرى وضجة فى الأوساط الأمريكية لأنها فضحت واقع التمييز العنصرى والطبقى.(49)
وعندما ظهرت مسرحية "وفاة بائع متجول" للكاتب الأمريكى " آرثر ميلر " Arthur Miller اعتبرها النقاد قمة الجهود التى بذلها كتاب المسرح من أجل التعبير عن الحياة الأمريكية تعبيرا واقعياً ناقداًً فقد اعتمدت فى نجاحها على كونها نموذجاً طيباً لما يمكن أن نسميه بمسرحية الطبقة الوسطى ، فهى تهتم بمصير رجل عادى يعيش فى بيئة عادية إلا أنه يتمسك بمعتقداته وأحلامه ، وتقدم دراما شعرية تضرب بجذورها فى أساليب الأمريكيين وعاداتهم.(50) كما عالج " ميلر " موضوع مسرحيته "كلهم أبنائى " من قصة واقعية حدثت فى الغرب الأوسط من الولايات المتحدة لإحدى الأسر التى تحطمت عندما أسلمت ابنة أباها للسلطات بعدما اكتشفت أنه كان يبيع أسلحة فاسدة للجيش أثناء الحرب (51)
وعلى مستوى المسرح المصرى فإن الفضل يعود إلى ثورة 23يوليو فى السير به إلى مرحلة من النضج والوعى بشكل لم يسبق له مثيل ، فقد تأثر المثقفون والمفكرون بالأفكار الاشتراكية التى تدعو الأدباء إلى أن يضعوا أنفسهم ومواهبهم فى خدمة المجتمع فقد أشاعت الثورة عند الكُتاب عنصر الالتزام بما أمدت به الجماهير العريضة من مفاهيم ثورية وأوضاع جديدة على المجتمع المصرى . وفى مقدمتها تقديس العمل من أجل المجموع لا الفرد ، "فمن الكتابات الموالية للثورة المتفاعلة مع توجهاتها كانت " الأيدى الناعمة " لتوفيق الحكيم تجسيداً للشعار الذى أطلقته الثورة على لسان قائدها " جمال عبد الناصر " حيث (العمل حق ، العمل واجب ، العمل شرف ). " (52)
كما أسهم " ألفريد فرج " بمسرحيته " على جناح التبريزى وتبعه قفة " فى الترويج لفكرة التأميم ، والعدالة الاجتماعية.
" أما "سعد الدين وهبة " فقد كرس بدايات مسرحه لقضايا المجتمع والفساد السياسى والاجتماعى وآثاره السلبية على الطبقات الدنيا وخاصة فى الريف المصرى فكتب (المحروسة ـ كبرى الناموس ـ السبنسة ـ كفر البطيخ ) ، وانشغل فى المرحلة التالية على بداياته المسرحية بنقد تجربة الثورة فى مسرحياته ( المسامير ـ سكة السلامة ـ ياسلام سلم الحيطة بتتكلم )." (53)
" كما اعتنق "نعمان عاشور " منطق الواقعية الحديثة فى ثوب الكوميديا التى تتجه فى صرامة نحو النقد الاجتماعى وعلى هذا فقد اتجه أسلوبه فى " الناس اللى تحت " إلى نقد المجتمع بصورة فيها سخرية وتهكم حافل بالعناصر الفكاهية ، ومن ناحية أخرى نجد الإحساس المأساوى تجاه الطبقات الفقيرة التـى تكالبت عليها سطوة الطبقة الغنية أو السلطة."(54)
ولقد حافظ " يوسف إدريس" فى كل أعماله على فكرة البحث عن حياة افضل تضمن للإنسان العدل والحرية . تلك الفكرة التى قامت عليها " جمهورية فرحات " والتى حلم فيها بجمهورية مثالية يوجد فيها عمل ورفاهية وعدل وحرية وبالتالى يستطيع الإنسان فيها أن يجد معنى لوجوده بعيدا عن الفقر والتفرقة الطبقية .
´وفى " المخططين " وهى المسرحية التى يعرض فيها " يوسف إدريس " بوضوح شديد اهتمامه بالقضايا السياسية ، يوضح طبيعة النظام السياسى والعلاقة بين المجتمع ونظام الحكم فنراه يدين بطريقة رمزية كاريكاتورية موقف الحياة السياسية المصرية فى نهاية الستينات والذى نجد فيه تحول نظام الحكم إلى نظام ديكتاتورى." (55)
لقد تأثر كتاب المسرح المصرى بالمناخ الثورى واستطاعت الثورة أن توقظ فيهم إحساسهم بقوميتهم فظهر الكاتب المسرحى الموالى للفكر الثورى والكاتب المنتقد له بشكل رمزى خوفاً من بطش السلطة ، فقد استطاعوا ربط الفكر بالحياة والتوغل إلى صميم معترك المتناقضات الاجتماعية فى محاولة لإيقاظ وعى المتلقى ليدرك حقيقة الواقع ومن ثم يمكنه إصلاحه وتغييره.
ومما سبق يتضح لنا أن للمسرح عبر العصور التاريخية المختلفة دوراً وظيفياً يتمثل فى أنه يعكس المشكلات الحياتية بصورة واضحة ودقيقة تكشف النقاب عن الواقع الاجتماعى وعن علاقة الإنسان بهذا الواقع .
ولقد وجهت إلى نظرية الانعكاس بعض الانتقادات والاعتراضات من قبل النقاد والمشتغلين بالأدب حيث انتقد البعض مسمى " الانعكاس " رافضاً قصور دور المسرح على النقل الحرفى للواقع ، وهدمها البعض الآخر ليشيد محلها نظريات تمجد الدور الترفيهى للمسرح وتقصره على المتعة والتسلية .
فقد أكد " رايموند ويليامز" Raymond Williams على أن هناك مفهوماً أخر معدل لمفهوم " الانعكاس " وهو التوفيق أو " التوليف " الذى يدل اسمه على عملية فعالة وليس على تلك الآلية السكونية التى توحى بها كلمة انعكاس ، ويرتكز المفهوم الجديد على عاملى الفاعلية واللامباشرة ، حيث يقدم تصوراً متميزاً لموضوع العلاقة بين الأدب والمجتمع تجاوز مسألة انعكاس الواقع مباشرة فى الأدب مؤكدا على أن الواقع يمر بعملية "توفيق" تغير محتواه الأصلى أو على الأقل تغير صورته من خلال إسباغها لنسق خاص أو شكل خاص على هذا المحتوى الواقعى الخارجى ، إذ ينطوى التوفيق على نوع من التعبير غير المباشر الذى يتحور فى الواقع الاجتماعى من خلال أشكال متعددة من الإسقاط أو التقنيع وبذلك يمكن بعملية تحليل مناقضة استعادة صورة الواقع الاجتماعى الأصلية بعد نزع الأقنعة أو تعرية الإسقاطات.(56)
وبذلك فقد أفسح المفهوم الجديد المجال أمام العقل الواعى بالواقع بوصفه المرآة التى تتلقى الصورة قبل أن تعكسها ، والتى تتعامل بالقطع مع هذه الصورة بفاعلية يترتب عليها تغير الكثير من ملامحها وتفاصيلها فى عملية أقرب إلى إعادة الصياغة منها إلى الانعكاس ، فهو يرى أن مهمة الأديب لا تقتصر على النقل الحرفى للواقع بل تتعدى ذلك إلى صبغته برؤية الفنان التى يحددها فكرة وخياله ، بالإضافة إلى العبقرية الشخصية أو الموهبة الذاتية التى تداركها "تين" وأضافها إلى ثالوثه (البيئة ـ الجنس ـ العصر ) " حين أشاد بعبقرية "شكسبير " فى مقدمة كتابه عن الأدب الإنجليزى حيث أشار إلى أن هناك أشخاصاً أدباء كبارا يرتفعون بقاماتهم عن الوسط الذى عاشوا فيه ، ويحققون بمواهبهم مستويات نوعية من الإبداع لا يمكن أن تفسر فقط طبقاً لنظريته السابقة ، بل لابد من إدخال عامل آخر ، وهو عامل الموهبة الفردية وعبقرية الأشخاص فى حساب الناقد والدارس للإبداع الأدبى."(57)
ويرى الباحث أن مفهوم " التوفيق " يحمل فى طياته اعترافاً ضمنياً بضرورة أن يعكس الأدب الواقع الاجتماعى على أن تتم عملية " الانعكاس " على مستوى المضمون لا الشكل بحيث يتخذ الأدب من المجتمع مادة خام قابلة للصياغة والتشكيل ليعكسها من منظورات متعددة قد تكون رمزية أو تعبيرية أو ملحمية حسب الرؤية الفكرية الخاصة بالمؤلف والتى يبلغ بها أعماق الضمائر والقلوب لتحقيق التأثير المتبادل بينه وبين جمهوره ، وهذا ما يؤكده "ماركس" بقوله :" أن الفنانون صوروا العالم بأشكال مختلفة غير أن مهمتهم هى تغييره."(58)
وعلى مستوى النقد العربى يؤكد "فاروق عبد الوهاب " على أن " تاريخ الفن فى العالم عبارة عن محاولات متصلة من جانب الفنانين لحل مشكلتهم الأزلية مع شكل فنهم فالمضمون واحد والهدف الأساسى من وراء الفن الواحد ، فالمضمون لا يخرج دائماً عن حياة الإنسان ، وحياة الناس وعلاقاتهم ببعضهم البعض ، وتصوير هذه العلاقات من زاوية جديدة ، زاوية خاصة . فالعلاقات موجودة ، ولكن الجديد الذى يقدمه لنا الفنان هو أن يرى هذه العلاقات فى ضوء جديد ، وغالباً ما يكون ضوءه هو الخاص ، وهذه الخصوصية هى التى تضفى على المضمون جدته، ومن ثم شكله الجديد فما يميز الفنان عن غيره من البشر هو قدرته على أن يرى تكوينات جديدة فى أشياء لم تجذب انتباه غيره من الناس"( 59)، مع الأخذ فى الاعتبار أن أى تجديد فى الشكل لا يخدم غرضاً ولا يستمد مبرراته من مضمون اجتماعى يظل شكلاً عقيماً تماماً لا ثمرة فيه ، وتأكيداً لهذا المعنى يستنكر "رشاد رشدى " ـ وهو أحد المتحمسين لمدرسة النقد الحديث ـ النقد الذى وجه إلى مسرحية "الأرانب" بشأن تحول بطلها إلى امرأة وتحول البطلة إلى رجل بدعوى أن هذا مخالف للواقع الحياتى ويرى أن " المؤلف " لطفى الخولى " يدعو إلى أن يحدث هذا التحول فى الحياة والواقع ، وأن هذا التحول ـ فى مجال الدراما ـ ليس إلا تجسيداً للمشكلة الاجتماعية التى يعالجها المؤلف ، وهو فى إطارها العام ضرورة أو حتمية التغيير فى مجتمع متطور متطلع، وفى إطارها الخاص حقيقة مساواة المرأة للرجل فى مثل هذا المجتمع أو رفض الرجل لهذه الحقيقة وضرورة تقبله لها ، بل وضرورة تقبل المجتمع للتطور والتغيير الدائم لأن هذا شيء طبيعى." ( 60)
إن رشاد رشدى يطالبنا بأن ننسى الواقع كما نعرفه ونستبدله بالواقع الدرامى ، حيث الصورة المسرحية المقدمة بأشكال جديدة ممتزجة برؤية المؤلف .
كما أن هذه الأشكال على اختلافها ليست نتاجاً فردياً ، بل هى وليدة ظروف اجتماعية معينة ساهمت فى إفرازها وهذا ما يشير إليه "إرنست فيشر" Ernst Fischer فى قوله "إن التاريخ الاجتماعى للفن يؤكد أن الأشكال الفنية ليست مجرد أشكال نابعة من الوعى الفردى ـ يحددها السمع والبصر ـ وإنما هى إلى تعبير عن نظرة إلى العالم يحددها المجتمع " ( 61).
وإلى شيء من هذا يذهب "لوسيان جولدمان" L. Goldman أحد رواد الاتجاه البنيوى التكوينى ( التوليدى) ، والذى تأسس موقفه من دراسة الأدب على النظرية المادية الجدلية ، "فالأدب فى نظر جولدمان " مثله مثل المجتمع ، هو كل متكامل ، فكل عمل أدبى لا يمكن فهمه إلا من خلال فهم أجزائه المكونة له فى علاقتها مع بعضها البعض ، إلى جانب ذلك نجد عنده الاهتمام ببنية المقولات التى تكشف عن رؤية للعالم " (62) بمعنى أن البنية الفكرية للعمل الأدبى تولد وتجسد بدورها بنية اجتماعية طبقية .
والدليل على هذا أن الحرب العالمية الثانية بوحشيتها اللامعقولة وتخريبها الهمجى المدمر كانت سبباً فى توجيه كتاب الدراما لصياغة موضوعاتهم فى شكل درامى عبثى للتعبير عن الواقع بغير الواقع والالتجاء إلى اللامعقول واللامنطقى فى كل تعبير فنى .
حيث يعتقد كتاب المسرح العبثى ، أن وجودنا فى الحياة هو العبث بعينه لأننا نولد بغير إرادتنا ونموت بدون أن نسعى للموت ونحيى ما بين المولد والممات محتجزين فى أجسادنا وعقولنا ، ولهذا جاءت لغة العبث مفرغة من المعنى لتؤكد لا جدوية الأفعال ، أو تناول الأفكار بين الناس . (63)
ومع ذلك لم تخلوا إبداعاتهم من المضامين الاجتماعية ، فعلى سبيل المثال تكشف مسرحية "الخرتيت" للكاتب العبثى " يوجين يونسكو" Eugene Ionesco القناع عن أحد الأوضاع الاجتماعية السياسية الفاسدة حيث ما يسميه يونسكو ( داء الخرتيت ) هو النازية التى كانت عند نشأتها بين الحربين العالميتين اختراعاً أو ابتكاراً من المفكرين أو الأيديولوجيين الذين يتفننون فى خلق عقائد جديدة ، فهم لا يفكرون ولا يتأملون فيما يقولون إنما يحفظون عن ظهر قلب بعض الشعارات العقائدية أو الفكرية يقومون بإلقائها بصورة أليه كقطعة المحفوظات فى أفواه التلاميذ ، ويزيفون الفهم والمفاهيم ، ويحاربون روح التعايش السلمى ، حيث أن الخرتيت لا يمكن أن يتفاهم مه من ليس خرتيتاً مثله لذا يأمل " يونسكو" أن ينهج المتلقى نهج " بيرنجيه " بطل المسرحية فى نبذه للأيديولوجية التى تحيط به وذلك برفضه أن يكون خرتيتاً . (64)
ويتضح مما سبق انه مهما اختلفت الرؤى والأشكال الفنية التى ينسج منها الكاتب إبداعاته فأنها تلتقى فى النهاية عند نقطه أو أرض مشتركة واحدة تؤكد أن العلاقة بين الأدب والمجتمع علاقة ديناميكية والتأثير بينهما متصل متمازج تختلط فيه الذاتية بالاجتماعية عن طريق التفاعل القائم بينهما .
أما عن النظريات والاتجاهات المناهضة لنظرية " الانعكاس " فتعتبر نظرية "الفن للفن" واحدة من أهم النظريات التى أقرت بقطع الصلة بين الأدب والمجتمع ، " فقد قامت دعوة الفن للفن فى مطلع القرن التاسع عشر كنوع من الهروب من تبعات الحاضر ، فتجاهل الأدباء لذلك العهد ـ فى أدبهم ـ مطالب عصرهم ، وهدفوا إلى خلق أدب هو صورة الترف فى ذاته وكانوا لا يحفلون بالغايات الاجتماعية والخلقية " ( 65) ، ويرون أن "العمل الفنى الجديد له توافقه وانسجامه الداخلى وعلى هذا الانسجام يتوقف الأثر المطلوب لا على اتفاق العمل مع الحياة أو اختلافه عنها . " ( 66)
وينظر بعض النقاد للدعوة السابقة كرد فعل للمذهب الرومانتيكى ، الذى لا يحفل بغير الترجمة عن العاطفى الشخصية ، وينزل بالأدب إلى مستوى الوسيلة ، حيث يرى أصحاب " مذهب الفن للفن " أن من حق الأدب أن يصبح غاية فى ذاته ، لا مجرد وسيلة للتعبير عن المشاعر الخاصة .(67)
ومن هنا جاء تعريف إبراهيم حمادة لنظرية الفن للفن على أنها " اتجاه جمالى فى الخلق الفنى هدف به أصلاً الشاعر والناثر "ثيوفيل جويتيه " ( 1811 ـ 1872) إلى الثورة ضد استخدام الفن كأداة للتعبير عن الذات . إن هدف الفن ـ فى نظره ـ ينبغى أن يكون لذاته الجمالية لا أن يكون وسيلة للإفصاح عن مشاعر الفنان الخاصة ." ( 68)
وقد انبثقت هذه النظرية عن الفلسفة المثالية التى يعد الفيلسوف الألمانى " كانط" Kant أهم روادها ، حيث تقوم فلسفته على الإيمان بعدم وجود عالم خارجى منفصل عن الإنسان وأن الحقيقة هى نتاج النفس البشرية وبأن الشيء ما هو إلا فكرتنا عن الشيء أى أن الحقيقة هى مجرد أفكار لا دلاله لها فى عالم خارجى محسوس ، وفى ظل نظريته لم يعد الشعر محاكاة للطبيعة كما كان الاعتقاد فى القرن الثامن عشر وإنما محاكاة الخلق نفسها أى أن العمل الفنى كائناً عضوياً مستقلاً عن أى شيء خارجه . (69) فهو يعد المتعة الفنية غاية فى ذاتها فلا ينبغى أن نبحث وراءها عن غاية خلقية أو اجتماعية ويعتبر أن " الجمال هو رضاء مجرد من الغرض. " ( 70)
" فهو لا يرى عناصر الجمال إلا فى الشكل أو المضمون فيلقى به خارج نطاق علم الجمال " (71)
وتعتبر آراء " كانط " هى الدعامة الأساسية لدعاة نظرية الفن للفن حيث عادت إلى فرنسا فى أوائل القرن التاسع عشر كوكبة من المثقفين الفرنسيين المهاجرين الذين أسهموا فى نشر أفكاره وفلسفته ومنهم الشاعر " جويتيه " الذى يقول فى مقدمة ديوانه "قصائد أولى" ( 1832) " إذا كان هناك ثمة هدف يحاول هذا الكتاب تحقيقه فهو فقط يحاول أن يكون جميلاً. " ( 72)
ويعتبر أوسكار وايلد Oscar Wilde واحداً من أنصار هذا المذهب ، وكانت مسرحية "سالومى " ثمرة من ثمار دعوى الفن للفن حيث لا مجال للاعتبارات الدينية أو الأخلاقية أو القومية عند التعامل مع نص كهذا . ( 73)
إن هذه المسرحية تعرض تصويراً قوياً للحب الجسدى الشهوانى العنيف ، ولكنها تفتقر إلى المبررات التى يمكن أن تقنع المتلقى بهذا الحب ، إذ ليس من السهل أن تصدق كيف أن سالومى ، تلك الفتاه العذراء تندفع فجأة وبدون مقدمات فى حب يوحنا المعمدان لتصل إلى تلك الدرجة من الشهوى الجسدية دون الإحساس حتى بأى نوع من الحياء أو الخجل.
كما رفع ت . س إليوت T.S Eliot راية مذهب الفن للفن فى أول عهده بالنقد ( وهى المرحلة التى تبدأ فى عام 1917 ) حيث كان همه كله منصرفاً إلى توفير الأسس الجمالية فى العمل الأدبى ، فيها كان يفر " إليوت " مما يسميه ( خلط الأجناس ) يقصد بذلك خلط الأدب بالفلسفة أو بالاجتماع ، فهو يرى أن العمل الأدبى ليس وسيلة ولكنه غاية فى ذاته ن ولا يمكن أن يكون إلا صوره لنفسه فقط ، إلا أن " إليوت " كان فى المرحلة الثانية من مراحل تطوره أقرب إلى النزعة الواقعية حيث ذكر فى مقدمة كتابه "الغابة المقدسة" (1928) أنه مهما قيل فى استقلال الفن ، ومهما أجتهد أهله فى الاكتفاء به غاية فى ذاته ، فأنه لا بد وأن يمس مسائل الخلق والدين والسياسة . ( 74)
وعلى الرغم من بزوغ نظرية الفن للفن فى مطلع القرن التاسع عشر ، إلا أن جذورها تمتد إلى القرنين الرابع والخامس قبل الميلاد " ، حيث شاعت بعض الآراء والنظريات التى انتهت إلى نظرية حسية فى الجمال غايتها : أن الفن هو إحداث لذة عند الجمهور المتذوق . وعلى الفنان أن يقدم للجمهور ما يلذة ويرضيه لا ما يجب عليه أن يعمله ، حتى ولو كان ذلك الفن تمويها وغير مطبق للحقيقة الموضوعية . ومن الطبيعى أن يثور أفلاطون وأمثاله على هذه النظرية الحسية فى الجمال ، حيث أصبح الفن عند محترفيه مجرد قواعد محفوظة وصفها أفلاطون بأنها لا توجه الجمهور إلى الخير بل إلى اللذة . ولما كان هذا الفن لا ينطوى على خير ولا حقيقة ولا جمال ، فقد وصفه أفلاطون بأنه خيال ومحاكاة مزيفة للحقيقة ، واستبعده من مدينته الفاضلة " (75)
وعلى هذا النحو يمكن أن نأخذ بعين الاعتبار أن نقد أفلاطون كان موجهاً إلى الاتجاهات الجديدة فى الفن والفكر المعاصر له ، فهو لم يوجه اتهامه إلى الشعر على الإطلاق بل إلى الشعر بقصد اللذة .
لقد جاءت أسطورة نفى أفلاطون الشعراء فى مدينته المثالية نتيجة لإساءة فهم كتاب الجمهورية إذ ذكر أفلاطون الشاعر بقوله (علينا أن نبجله باعتباره شيئاً مقدساً وساحراً وممتعاً، علينا أن نعرفه بأنه لا وجود لمن يماثله فى مدينتنا ، وأنه لا يسمح بوجود هذا المثيل وعلينا ألا نعمده بزيت الرايتنج ونكلل جبينه بالغار ، وأن نقصيه إلى مدينة أخرى . ومن ناحيتنا نبحث لصالحنا عن شاعر أخر أكثر جفافاً وأقل قدره على التسلية وحكاية القصص بقوم بتمثيل أحاديث الرجل الخير لنا ) ( 398 A ) . ويؤكد لنا من يسيئون فهم أفلاطون بأن ضحية هذا الإبعاد هو الشاعر على الإطلاق . ولو أنهم قرءوا العبارة إلى أخرها كما جاء ذكرها هنا ، لأمكنهم أن يروا أنه لا يمكن أن يكون المقصود كذلك ، فهو لم يقصد الشاعر التمثيلى على الإطلاق ، بل قصد الشاعر الذى يعمل على التسلية والذى يمثل ببراعة رائعة وبطريقة مثالية للغاية التوافه والمنفرات . " ( 76)
وقد واجهت دعوت الفن للفن نفس المعارضة التى واجهتها النظرية الحسية فى الجمال فى عصور ما قبل الميلاد ، فلقد عاب الاشتراكيون على الدعوة محاولة فصلها عن المجتمع.
كما قاد " سارتر" حملة ساخرة على هؤلاء الذين يحصرون قيمة الأدب فى نواحيه الفنية وينفون أن يكون للأدب تأثير أو هدف، فرفض الفصل بين الجمال الفنى والقيمة. (77)
وأقر بان الكاتب الذى يتبع تعاليم دعاة ( الفن للفن ) ، يهتم قبل كل شيء بكتابة أثار لا تخدم شيئا البتة ، أثار محرومة من الجذور ، وهكذا يضع نفسه على هامش المجتمع ، أو لا يقبل بالأحرى إلا يمثل فيه إلا بصفة مستهلك محض ، وعلى وجه الدقة كطالب متعه . فالفن الخالص والفن الفارغ سواء بسواء ، والدعوى إلى مثل هذا الفن ـ فيما يرى "سارتر" ـ ليست إلا ذريعة تذرع بها نكرات القرن الأخير لأنهم أبو أن يسلكوا سبيل التجديد والكشف وأن يبدعوا شيئاً ذا قيمه . ( 78)
ويرى الباحث أن قصور دور الفن على إبراز النواحى الجمالية يقلل من فرص خلوده ، إذ أن الجمال ليس مطلق فكما يتغير مقياس الحياة بتغيير ظروفها يختلف الإحساس بالجمال من عصر إلى عصر وكذلك من طبقة إلى طبقة .
كما يرى أن قصور وظيفة الفن على المتعة والتسلية ، إنما هو دحض لقيمته وإغفال لدوره الفعال فى الارتقاء بمستوى الحياة الواقعية إلى المثالية ، فلو كان الفن هو ما يجلب المتعة فيمكننا الاعتراف بان الطعام الطيب وشم الروائح الذكية ومختلف الأحاسيس المادية الأخرى يمكن أن تعتبر فنوناً .
ويتفق الباحث مع جلبرت موراى Gilbert Murray فى قوله بأن إبداع أى عمل فنى لابد وأن يقوم على قصد المنفعة والاستخدام ، فليس ثمة صورة ترسم لأناس عمى ، ولا يبنى قارب فى غير وجود ماء . ( 79)
إلا أنه يضيف لرأى "جلبرت موراى " رفض " سارتر " للفصل بين الجمال الفنى والقيمة حيث يرى الباحث أن وظيفة الفن كمنشط لوعى المتلقى تجاه الممارسات الاجتماعية التى تحيط به لا تتعارض مع طبيعته كوسيلة للإمتاع والترفيه وأن رعاية القيم الجمالية ضرورى للفنان وضرورى للفن وإلا تداخلت الخطوط بين العلم والأدب ، وأنه إذا تضافرت القيم الجمالية التى يتضمنها العمل الفنى مع القيمة الاجتماعية التى يهدف إليها المبدع لخلق عمل متكامل يجمع بين الإقناع والإمتاع أصبح للفن هدفٌ أسمى من أن يكون لمجرد التسلية .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش :
ــــــ
1- أمل فضل حركة : ظاهرة المخلص بين الفرد والمجتمع ،(مجلة كلية الآداب ) ، المجلد
الحادى والخمسون ، جامعة الأسكندرية ،2000 ،ص7.

2- رمضان سليم : البعد النقدى، قراءات فى الأدب والفكر، الدار الجماهيرية للنشر
والتوزيع والإعلان ، ليبيا، 1987، ص 14، 15 .

3- صلاح فضل : مناهج النقد المعاصر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة ،
1996 ، ص 43.

4- محمد على البدوى :علم اجتماع الأدب، النظرية والمنهج والموضوع، دار المعرفة
الجامعية ، الإسكندرية ، 2004 ، ص 13 .

5- على عبد المعطى: فلسفة الفن، رؤية جديدة، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية،
1984، ص 71 .

6- نهاد صليحة : المسرح بين الفن والحياة ،الهيئة المصرية العامة للكتاب ،
القاهرة ،2000، ص 11 .

7- أبو الحسن سلام: اتجاهات فى النقد المسرحى المعاصر بين النظرية والتطبيق،
مؤسسة حورس الدولية للنشر والتوزيع، الإسكندرية، 2005، ص2.

8- محمد على البدوى : مرجع سبق ذكره ، ص 147 .

9- Elizabeth and Tom Burns, Sociology Of Literature and Drama, London, Penguin Books, 1973, P.374.

10- حسين الحاج حسن :علم الاجتماع الأدبى، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر
والتوزيع ، بيروت ، 1983، ص 261.

11- محمد على البدوى : مرجع سبق ذكره ، ص 130.

12- جون فريفيل :الأدب والفن، فى ضوء الواقعية، ترجمة: محمد مفيد
الشوباشى، دار الفكر العربى ، القاهرة ، د ت ، ص 5 .

13- محمد على البدوى : مرجع سبق ذكره ، ص 36 .

14- أمل حركة : دراسات فى علم اجتماع اللغة والأدب، دار المصطفى
للنشر والتوزيع، طنطا ، 2003 ، ص 37 .

15- المرجع نفسه ، ص 37 .

16- محمد على البدوى : مرجع سبق ذكره ، ص 132

17- جون فريفيل : مرجع سبق ذكره ، ص 45 .

18- طارق عبد المنعم : صورة البطل فى المسرح المصرى المعاصر فى
الربع الأخير من القرن العشرين، رسالة دكتوراه
غير منشورة، جامعة الإسكندرية، 2006، ص 7 .

19- Wellek,R and Warren, A., Theory Of Literature ," Penguin Books, 1956, P. 94

20- لاجوس اجرى :فن كتابة المسرحية، ترجمة: درينى خشبة، الهيئة
المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 200، ص 461 .

21- J .L . Styan, "Drama Stage And Audience ", Cambridge University Press, New York , 1975, P. 224, 225
22- بيير زيما : النقد الاجتماعى ، ترجمة : عايدة لطفى ، دار الفكر
للدراسات والنشر والتوزيع ، القاهرة ، 1991 ، ص 72 .

23- أحمد رشدى صالح : فنون الأدب الشعبى ، الهيئة المصرية العامة
للكتاب ، القاهرة، 1997 ، ص 13، 14 .

24- لويس عوض : اتجاهات النقد الأدبى ، (مجلة فصول) ، المجلد الأول ،
العدد الثانى، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ،
1981 ، ص 210 .

25- نبيل راغب : علم النقد الأدبى ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ،
القاهرة، 1997 ، ص 29 .

26- نبيل راغب : دراسة المضمون الاجتماعى فى مسرح سعد الدين وهبه ، (مجلة
المسرح ) ، العدد السادس ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ،
1988 ، ص 7 .

27- رجاء عيد :فلسفة الالتزام فى النقد الأدبى، منشأة المعارف،الإسكندرية،1986، ص11.

28- جى بوريللى : اجتماعية الأدب ، حول إشكالية الانعكاس ، ( مجلة فصول ) ، المجلد
الأول ، العدد الثانى ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ،
1981 ، ص 78.

29- Raymond Williams " Modern Tragedy", Chatto and Windus . 1966 , P . 87,88

30- محمد حمدى إبراهيم : نظرية الدراما الإغريقية ، الشركة المصرية العامة للنشر ـ
لونجمان ، الجيزة ، 1994 ، ص ص 155،174.

31- لويس عوض : المسرح العالمى من إسخيلوس إلى أرثر ميلر ، الهيئة المصرية
العامة للكتاب ، القاهرة ، 1993 ، ص ص 47، 48 .

32- عبد الرحمن صدقى : المسرح فى العصور الوسطى ، الهيئة المصرية العامة للتأليف
والنشر ، القاهرة ، 1969 ، ص ص 142، 147 .

33- أمين العيوطى : المسرح والمجتمع ، (مجلة المسرح ) ، العدد التاسع ، مسرح
الحكيم ، الثقافة والإرشاد القومى ، القاهرة ، 1964 ، ص 44 .

34- محمد على البدوى : مرجع سبق ذكره ، ص35 .

35- مارتن اسيلن : تشريح الدراما ، ترجمة : أسامة منزلجى ، ط1، دار الشروق للنشر
والتوزيع ، عمان ، 1987، ص ص 114، 115 .

36- محمد على البدوى : مرجع سبق ذكره ، ص ص 52، 53 .

37- جرجس الرشيدى : مقدمة مسرحية بيجماليون ، دار الكاتب العربى للطباعة والنشر
، القاهرة ، 1967 ، ص 20 .

38- المرجع نفسه ص 13 .

39- على الراعى : مقدمة مسرحية الشقيقات الثلاثة، الهيئة المصرية العامة للكتاب ،
القاهرة ، 2004، ص ص 13، 14 .

40- رفيق الصبان : المسرح الموجة ، (مجلة المسرح ) ، العدد السابع ، الهيئة
المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 1981 ، ص 41 .

41- سعد أردش : المخرج فى المسرح المعاصر ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ،
القاهرة ، 1998 ، ص ص 195، 196 .

42- أمل حركة : دراسات فى علم اجتماع اللغة والأدب،مرجع سبق ذكره ، ص 226 .

43- رفيق الصبان : مرجع سبق ذكره ، ص 41 .

44- رانيا فتح الله : الاتجاه الملحمى فى مسرح ألفريد فرج ، الهيئة المصرية العامة
للكتاب ، القاهرة ، 1998 ، ص 11 .

45- جان بول سارتر : ما الأدب ، ترجمة : محمد غنيمى هلال ، الهيئة المصرية العامة
للكتاب ، القاهرة ، 2000 ص 83 .

46- رمضان الصباغ : فلسفة الفن عند سارتر وتأثير الماركسية عليها ، مطبعة
شاكوس، الإسكندرية ، 1994 ، ص 178.

47- لطفى فام : المسرح الفرنسى المعاصر ، الدار القومية للطباعة والنشر ،
القاهرة ، 1964، ص 168.

48- Diana Laurenson and Alan Swing wood, Sociology of Literature, New York, Schocken Books, 1972, P.244

49- إيليا حاوى : أوجين أونيل والمسرح الأمريكى المعاصر ، بيروت ، دار الكتاب
اللبنانى ، 1981، ص ص 182، 327.

50- محمد عبد الله الشفقى : فى المسرح ، الدار القومية للطباعة والنشر ، القاهرة ،
1966، ص ص 27، 28.

51- عبد الحليم البشلاوى : مقدمة مسرحية كلهم أبنائى ، الهيئة المصرية
العامة للكتاب، القاهرة ،2005 ، ص 16.

52- أبو الحسن سلام : المخرج المسرحى والقراءات المتعددة للنص ، دار الوفاء
لدنيا الطباعة والنشر، الإسكندرية،2003، ص 70 .

53- المرجع نفسه ص 79.

54- فاطمة يوسف محمد : المسرح والسلطة فى مصر م ن1952 ـ1970 ، الهيئة
المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ،2006 ، ص 80 .

55- بيلار ليرولا ديلغادو : الأيديولوجية الاجتماعية والسياسية فى أعمال يوسف
إدريس، (مجلة المسرح ) ، العدد 92، 93 ،الهيئة
المصرية العامة للكتاب، القاهرة،1996، ص 120.

56- صبرى عبد الحافظ : الأدب والمجتمع ، مدخل إلى علم الاجتماع الأدبى ، (مجلة
فصول ) المجلد الأول ، العدد الثانى ، الهيئة المصرية العامة
للكتاب ، القاهرة ،1981 ، ص 69.

57- صلاح فضل : مرجع سبق ذكره ، ص 29.

58- هربرت ريد : الدور الاجتماعى للفن ، ( مجلة آفاق عربية ) ، العدد الرابع ،
مؤسسة رمزى للطباعة ، بغداد ،1976، ص 53.

59- فاروق عبد الوهاب : دراسات فى المسرح المصرى ، الهيئة المصرية العامة
للكتاب، القاهرة ،1992، ص 5.

60- رشاد رشدى : الواقع الدرامى فى المسرح المصرى ، ( مجلة المسرح ) ، العدد
الثالث ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة ،1964، ص5.

61- إرنست فيشر : ضرورة الفن ، ترجمة : أسعد حليم ، الهيئة المصرية العامة
للكتاب، القاهرة ،1998 ، ص202.

62- أمل حركة : دراسات فى علم اجتماع اللغة والأدب ،مرجع سبق ذكره ، ص 47.

63- Tavis Bogard and William I. Oliver, Modern Drama, New York, Oxford University Press, P.4.

64- لطفى فام : مرجع سبق ذكره ، ص 254.

65- محمد غنيمى هلال : النقد الأدبى الحديث ، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع،
القاهرة ، ، ص 333.

66- رشاد رشدى : اتجاه النقد الموضوعى ، (مجلة الفكر المعاصر ) ، العدد الثانى
والعشرون، الدار المصرية للتأليف والترجمة، القاهرة، 1966،
ص23.

67- محمد عبد المنعم خفاجى : مدارس النقد الأدبى الحديث ، الدار المصرية اللبنانية ،
لبنان ، 1995، ص 179.

68- إبراهيم حمادة : معجم المصطلحات الدرامية المسرحية ، دار المعارف ، القاهرة ،
1985، ص 180.

69- نهاد صليحة : المدارس المسرحية المعاصرة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب،
القاهرة ،1986، ص16.

70- شارل لالو : مبادئ علم الاجتماع "الاستطيقا" ترجمة : مصطفى ماهر ، دار
إحياء الكتب العربية ، القاهرة ، 1959 ، ص 67.

71- جون فريفيل : مرجع سبق ذكره ، ص 13.

72- نهاد صليحة :المدارس المسرحية المعاصرة، مرجع سبق ذكره، ص17، 18.

73- ماهر شفيق فريد : سالومى ، ( مجلة المسرح ) العدد السادس والتسعون ، الهيئة
المصرية العامة للكتاب، القاهرة ،1996، ص 86.

74- محمد غنيمى هلال : مرجع سبق ذكره ، ص ص 304، 333 .

75- حسين الحاج حسن : مرجع سبق ذكره ، ص ص 254، 255.

76- روبين جورج كولنجوود: مبادئ الفن ، ترجمة : أحمد محمد محمود ، الهيئة
المصرية العامة للكتاب، القاهرة ، 2002 ، ص 95.

77- جان بول سارتر : مرجع سبق ذكره ، ص 92.

78- رمضان الصباغ : مرجع سبق ذكره ، ص 223.

79- Gilbert Murray , The Rise Of Greek Epic, Oxford University Press, London , 1934, P.187. 

الأحد، 13 نوفمبر 2011

الارهاب السياسى..جرائم الاعتداء على السلطة فى الدراما المسرحية


يستمد الإرهاب السياسى توصيفه من علاقته بالسلطة السياسية فى الدولة ، وانقسام المجتمع إلى حكام ومحكومين ، أو إلى سلطة تحكم وشعب يحكم ، وبهذا المعنى فان الإرهاب كشكل من أشكال العنف يمكن أن يمارس من السلطة السياسية الحاكمة إزاء الطبقة المحكومة ، مثلما يمكن أن يمارس من جانب تلك الأخيرة إزاء من يحكم ، " فقد يمارس الإرهاب من قبل أفراد جماعة وطنية ثائرة ضد قوات وممثلى دول أجنبية تحتل أراضيهم ، أو ضد حكم محلى استبدادى بهدف الحرية ، أو الاصلاح والتغيير ، ومع ذلك فليست جرائم الإرهاب السياسى كلها دعوة إلى الانتصار لعقيدة أو مبدأ ، والمجرم السياسى ليس دائماً شهيد التضحية والمثل العليا بحثاً للآخرين عن حياة أفضل ، بل هو أحياناً ذلك الشخص المتعطش إلى السلطة ، أو المدفوع بضغائن شخصية ، أو الباحث عن انقلاب يجنى من ورائه ثروة شخصية ، فمما لا شك فيه أن هذه الأمور جميعها أمور مجرمة قانوناً فى مختلف النظم والتشريعات .
والملاحظ أن معدلات ارتكاب جرائم التآمر على قلب نظام الحكم تزداد فى الدول غير الديمقراطية ، أو التى تمارس الديمقراطية بشكل صورى ، بينما تنخفض إلى أقصى درجة فى الدول الديمقراطية ، حيث أن وسيلة تغيير الحكومات فى هذه الدول يتم عن طريق المؤسسات الدستورية والانتخابات الحرة النزيهة . (38)
وقد كان نظام الحكم هدفاً للجريمة فى مصر لفترات متباعدة بسبب غيبة الحكم الديمقراطى ، وبسبب الصراع على السلطة ،ومحاولة الاستيلاء عليها ، وقد ارتكبت العديد من الجرائم فى محاولة للتغيير السياسى داخل الدولة .
ومن أشهرها تلك التى ظهرت فى حكم السادات نتيجة سعيه لاستغلال الجماعات الإسلامية كبديل عقائدى فى مواجهة الفكر الاشتراكى والناصرى ، فبعد انتصار 1973 وإقدام السادات على سياسات الانفتاح الاقتصادى ، والتسوية مع إسرائيل ، والانحياز إلى الغرب ، بدأت التصادمات بين هذه الجماعات ، وبين النظام الحاكم . ويتجلى هذه الصدام فى إبريل 1974 وظهور جماعة منظمة التحرير الإسلامية والتى أطلق عليها _ من كل أجهزة الإعلام _ جماعة الكلية الفنية العسكرية ، وقد سميت بهذا لأن تخطيطها للاستيلاء على السلطة يبدأ باحتلال الكلية ، والاستيلاء على مخزن الأسلحة ، ثم تنطلق بعد ذلك إلى مقر الاتحاد الاشتراكى العربى، حيث كان من المقرر أن يعقد الرئيس " السادات " وبقية الصفوة الحاكمة اجتماعاً رسمياً كبيراً ، وبالرغم من فشل هذه المحاولة فانه حدث اكثر من مواجهة عنيفة بين النظام ، وبين الجماعات الإسلامية " (39) ،الأمر الذى دفع إلى حدوث متغيرات جذرية فى طبيعة الأحداث السياسية فى مصر إبان فترة السبعينيات .
وتأكيداً لدور المسرح _ كمؤسسة تثقيفية _ فى التعبير عن هذا المتغير الجديد ، قدم الكاتب " أبو العلا السلامونى " مسرحيته " أمير الحشاشين " فى محاولة منه للكشف عن الدوافع السياسية لجرائم الاستيلاء على السلطة ، وطرق العلاج والمواجهة ، مستنداً فى بنائها إلى مقولة " ابن خلدون " التى جاءت فى مقدمته من أن " العرب أصعب الأمم انقياداً بعضهم لبعض للغلظة والأنفة ، وبعد الهمة ، والمنافسة فى الرياسة ، فقلما تجتمع أهواؤهم، ومن أجل ذلك لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبؤه أو رياسة أو أثر من دين على الجملة . " (40)
بهذه المقولة الصريحة يضع ابن خلدون يده على رأس الداء فى نظام الحكم العربى الذى لا يتم إلا بصبغة دينية على حد قوله ، ومن ثم اختلطت أوراق الدين بأوراق السلطة طوال تاريخنا منذ أن رفع الأمويون المصاحف على أسنة الرماح ، ورفع الخوارج شعار لا حكم إلا لله .. حتى آخر شعارات الإسلام السياسى الحديث عن نظرية الحاكمية وجاهلية المجتمع ، وكان هذا إيذاناً بلعبة توظيف الدين من أجل الأغراض السياسية مما أدى إلى انتكاسات حركة التطور الديمقراطى لنظم الحكم المدنى فى بلادنا .
والمسرحية محاولة تنويرية لطرح هذا المفهوم الذى ذكره " ابن خلدون " ، من خلال عرضها لقصة حب رومانسية بين الشاعر " تميم الفاطمى " الابن الأكبر للخليفة " المعز لدين الله الفاطمى " ، ومغنية الحرافيش " برديس المصرية " ، وكانت نتيجة هذا الحب إقصاء " تميم " عن ولاية العهد وإسنادها إلى أخيه الأصغر الذى قام بدوره بنفى أخيه إلى خارج البلاد ، فاستغلت بعض الفرق السياسية ومنها فرقة الحشاشين هذا الخلاف لتحقيق مطامعها فى الاستيلاء على السلطة تحت ستار الدين .
والمسرحية وان كانت تتناول موضوعاً مستمداً من التاريخ العربى إلا إنها تمكن المتلقى من مطالعة مشكلاته السياسية الحالية عبر ماض متخيل ، ليس سوى صورة منعكسة للحاضر على شاشة الخيال أو فوق خشبة المسرح فالمسرحية تتناول بالنقد عبر مستويات الدلالة ، ( ومن خلال المنظور الفكرى للمؤلف الفترة التاريخية التى شهدت بداية حكم الدولة الفاطمية ، وتدور أحداثها فى إحدى حوارى قاهرة المعز التى يخيم عليها اللون الأخضر ، وهو اللون الذى فرضه النظام الحاكم الجديد على الشعب كدلالة رمزية _ من الكاتب _ على الصبغة السياسية التى يلون بها الحاكم الجديد محكوميه وفقاً لمصالحه واتجاهاته ، والتى غالباً ما تضاد المصلحة العامة للشعب المحكوم ، الذى ينقاد مستسلماً تحت وطأة القهر والفساد . ولا يقف أمام روح السلبية والانقياد سوى " الشيخ معروف " شيخ الكتاب الذى يطارد الناس بخرزانته الرقيقة أملاً فى إفاقتهم ، وإيقاظ وعيهم بعد أن فقدوا القدرة على المواجهة والتغيير .

"معروف : والله اللى أختشوا ماتوا يا صوان .. لابس أخضر ليه ما تقوللى .. البلد
أتغير ليه لونها .. ما تفهمنى إيه اللى جرالكوا يا مصريين .. حد يكون
فاهم فيكم ينورنى ويعرفنى .

صوان : اهدى يا راجل مت جراش حاجة .. ما تغيرناش .

بشندى : إحنا يا دوبك غيرنا هدومنا وبس يا سيدنا .

معروف : طبعاً ما هو زى العادة يا بشندى .. لو تغير لون الحكام إحنا نغير فى
هدومنا قوام .. واهى دى مصيبتنا يا مصريين .. نلبس حسب الحكام أيا ً
ما يكون وبأيها لون .. حتى لو كان حاكم مجنون . " (41)

ويرتكز رفض "الشيخ معروف " للسلطة الجديدة الحاكمة على إيمانه بعدم شرعيتها ، وتشككه فى صحة نسب الدولة الفاطمية إلى السيدة فاطمة ابنه رسول الله ( صلى الله علية وسلم ) .

" صوان : .. يا راجل دول حكامنا الفاطميين من أهل البيت .

معروف : بيت مين الله يعمر بيتك .. بتصدقهم .. الفاطميين دول ملهمش أصول ..
جايين يأكلوا على حساب مساطيل واهو رزق الهبل على المهاطيل ." ( 42)

قد أعتمد " السلامونى " فى نصه على قضية خلافية قديمة ، وهى قضية التشكيك فى نسب الدولة الفاطمية .
حيث ذهب العديد من المؤرخين إلى أن الدولة الفاطمية نشأت نشأة غريبة بتونس ، واستطاع مؤسسها "المهدى" أن يقنع مريديه بأنها دولة المهدى المنتظر الذى جاء من نسل السيدة فاطمة الزهراء ، وإنه مهدى آخر الزمان ، بل وأقر بعضهم بأنه كان من أصل مجوسى أو يهودى ، ولا يمت للسيدة فاطمة بأى أصل أو نسب . بينما مال آخرون إلى تكذيب تلك الشائعة وأكدوا على أن التشكيك فى نسب الفاطميين قد جاء فى إطار المنافسة بين الشيعة والسنة ، لأن الدولة الفاطمية كانت دولة شيعية. وهو أمر معتاد فى مثل هذه الصراعات. (43)
وقد أستغل " السلامونى " هذا الطرح المتباين فى التأكيد على مقولة النص ، والإشارة إلى لعبة الحكم الذكية التى تغلفها أفكار القداسة التى هى فى حقيقتها مطامع سلطوية للحاكم ظناً منه أن الولاء والطاعة لن يتحققا دون هالة من العقائد المقدسة تحيط به فينال بها مباركة الشعب وتأييده .

"معروف : شوفوا يا حضرات .. خمسين حاكم ومتين فرقة وألف جماعة مروا علينا
والكل يقول حاكم مهدى ومن أهل البيت .. إيشى علويين وإيشى زيديين
وإيشى فاطميين وإيشى أبصر إيه وإيشى مدرك إيه .. دى حكاية معروفة
ومألوفة .. وبقت لعبة سخيفة يا حضرات .

تميم : قصدق إيه يا شيخ معروف .

معروف : قصدى يا حضرات واضح معروف .. الحاكم أيا كان علشان يضمن حكمه
وولاء الناس .. ينسب حسبه وأصوله لأهل البيت ، ودى لعبة إخوانا
الفاطميين دى الوقت"(44)

يرتكز الإطار الفكرى للنص على صيغة المشابهة والمماثلة بين الوقائع الماضية التى يتم تجسيدها ضمن أحداث المسرحية ، والوقائع التاريخية التى ترتبط بالواقع الحاضر . فالنسق الدلالى للنص المسرحى يناظر ما بين الدال التاريخى والمدلول المعاصر للتأكيد على فكرة تسييس الدين من أجل الوصول إلى السلطة ، وربطها بحاضر معاش تتخفى فيه المطامع السلطوية للجماعات الإرهابية وراء شعارات دينية براقة ، ولهذا فقد ارتكزت مقولات المسرحية أيضا على ضرورة رفض التحالف بين فئات الشعب وزعمائه وتلك السلطة غير الشرعية ، ذلك الرفض الذى يتزعمه " الشيخ معروف" إيماناً منه بأن الإصلاح والتغيير مرهون بالتثوير والمواجهة .

"صوان : اعمل معروف يا شيخ معروف للحيطة ودان .

معروف : يا راجل يا جبان .. لغاية إمتى حتفضلوا فى الخوف .. لغاية إمتى تناموا
وتأكلوا على قفاكم .. إمتى تفوقوا وأمتى حاتصحوا .. قسماً عظماً إللى
ما يصحى معاية ويفوق لا جالد مؤخرته لحد ما يصحى من النوم " (45)

ولكن الظلمة إذا ما طالت تعودتها العين فأمام حكومات البطش والقهر المتتابعة ركن الشعب إلى الاستسلام والسكينة ، فنرى الناس تقابل صرخات " الشيخ معروف " الذى يحاول أن يفتح أعينهم على أنهم أصحاب الأرض الحقيقيين بالسخرية واللامبالاة ، فالجميع ركن إلى التواكل فاستبدت الظلمة واستسلم الناس . لقد تعود الناس على السمع والطاعة وأن يتركوا لغيرهم اتخاذ القرار ، وأصبح من طبائع الأشياء فى نظرهم أن يكون هناك مصدر خارجى هو الذى تأتى منه الإجابات عن كافة الأسئلة والحلول لكل المشاكل ، فلم يكن مطلوبا من الفرد أن يسهم بفكره واجتهاده فى اتخاذ أى قرار حاسم وإن كان عليه أن يتلقى الأوامر من مصدر أعلى أليس الأجدى به أن يتلقاها ممن ينسبون أنفسهم إلى نسب شريف؟
ووسط تلك الجدلية الشائكة نرى " تميم " ، وقد تخفى ، وصاحبه "برهام" فى ثياب تاجرين غريبين أملاً فى لقاء حبيبته " برديس " والتعرف عليها بعيدا عن تأثير هيبة السلطة. ويتحقق له مأربه ، ولكن ما يلبث أن ينقض رجال الشرطة على الحى ، ويتم القبض على " تميم" وصاحبه وبرديس ، وبعض الحرافيش ، لمخالفتهم الزى الرسمى للحكم الجديد ، ومشاركتهم فى الهتاف ضد الدولة الفاطمية ونسبها المشكوك فيه . وفى السجن يتم التعرف على شخصيتهما ويأمر الخليفة "المعز " بالإفراج عنها إلا أن "تميم " يرفض أن يخرج من السجن دون "برديس "، وبقية الحرافيش ، مما يثير غضب الخليفة وزوجته التى ترى فى "تميم " صورة لأمه الجارية التى عشقها " المعز" ، وتزوجها ، لذا فهى ترى أن أبنها "العزيز " هو الأحق بالولاية فنراها تتلمس المساعى للوشاية "بتميم " والإيقاع بينه وبين أبيه .

الزوجة : الحكاية عاوزة حسم .. ابنك العربيد يحاسب ويعاقب .. يبقى عبرة
للجميع.

العزيز : ليه يا أمى .. أنتِ ناسية أنه أخويا .

الزوجة : مش أخوك .. لو تميم ده يبقى أخوك .. كان زمانه عرف يحافظ على
القواعد والأصول .. كان قدر يرعى شرفنا وسمعة الحكم فى بلادنا .. أو
ما كانش نسى أنه من أسره شريفة فاطمية .. (مستدركه) ولا على ايه ..
ليه نلومه .. وأمه أصلاً ما كنتش فاطمية .

المعز : تانى حانعيد الكلام ده يا أميره . مستحيل تفضل حكاية زى دى فكراها
وأمه ميته من عشرين سنه .

الزوجة : للأسف ابنك بيقصد ينتمى للعامة والدهماء والأصول اللى أمه طالعة من
جذورها .. هو ده أصل البلاء .. ولذلك .. بأيدك أنت يا مولاى تحل المشكلة.

المعز : حلها بأيدى أنا !

الزوجة : العزيز يبقى ولى العهد مش تميم " (46)

وتكلل مساعى الزوجة بالنجاح ، خاصة بعد تمسك تميم ببرديس ، وإعلانه عن رغبته فى الزواج منها . فقد رفض تميم كل مظاهر السلطة ، وامتيازاتها من أجل امتياز اكبر وأعظم وهو امتياز الحب ، فأعلن التحلل المطلق من كافة القيوم التى تربطه بالانتماءات الاجتماعية ، وتحدى إرادة الخليفة بل الأكثر من ذلك انحاز إلى جموع الشعب الساخطة محاولا تثويرهم ، واستنهاض هممهم لمقاومة السلطة غير الشرعية ، ولهذا وجب ردعه وحرمانه من ولاية العهد التى أسندها المعز إلى أخيه الأصغر " العزيز" .

"برديس : يا أمير .. حب مصر وشعبها لازم يكون أكبر كثير من حبنا

تميم : صعب أضحى بحبى ليك .. ده أنت أول حب صادق فى حياتى لو حاضحى
بيه صحيح يبقى أنا أنهيت حياتى .

الزوجة : ايه يا مولاى .. مهزلة وزادت كتير عن حدها .

المعز : اسمعونى كلكم .. ده قرارى وبعلنه قصاد الجميع .. العزيز ابنى حايتولى
الولاية بدل تميم .. حاجة تانية .. والكلام ليكم يا شعب مصر .. كلكم
بتشككوا فينا وفى أصولنا .. ومع ذلك اسمعوا الرد المبين .. اللى يسأل
عن حسبنا واللى يسأل عن نسبنا .. الإجابة عندى وباليقين
(يتناول كيساً من الذهب فينثره على الجميع)
ده حسبنا ، (يتقدم ويسل سيفه من غمده) وده نسبنا ." (47)

ومن لحظة إقصاء تميم عن الولاية يبدأ صديقه برهام فى نسج خيوط المؤامرة التى تحمل فى ظاهرها النوايا الحسنة الطيبة ، وفى باطنها الغدر والطمع . فقد أبى برهام إلا أن يقف بجوار صديق عمره ليسترد له حقه فى الولاية حتى وان كلفه الأمر قلب نظام الدولة رأساً على عقب ، ويرى تميم فى ذلك إخلاصاً ووفاءً من صديق لصديقه ، فشاعرية تميم وذاتيته حالا دون كشف اللعبة القذرة التى يرسى برهام قواعدها.

" برهام : ما تخافوش .. عندى خطة .. حط ثقتك فيه يا مولاى تميم مش حاتندم
.... القضية مش حاتبقى قضيتك .. بل حتبقى قضيتى .. وان عارف فين
طريقى ومين حايضمن سكتى

تميم : يعنى ناوى تعلن العصيان وتخرج ع الخلافة الفاطمية ؟

برهام : المهم الحق يرجعلك وترجع لك خلافتك يا أمير

معروف : يا ترى حاتكون مقولتك ايه يا برهام ؟

برهام : لعبة الإرهاب وتكفير النظام

برديس : أنت فاكر ايه يا برهام .. ده أنت حاتواجه بدولة وجيش وسلطة .. أنت
مش قد الصدام

برهام : اطمنى يا ست برديس .. خطتى دى ولعبتى .. حاقلب الدولة واخلى
عاليها واطيها واقلبها على الجنبين شمال ويمين .. زى سمكة بتتشوى
على نار قايدة ولا البركان .. لحد ما تسقط الدولة فى أيد مولاى تميم "(48)

وتتوالى الأحداث ، ويموت الخليفة "المعز" ويعتلى ابنه "العزيز" العرش ، بينما يتحصن برهام" فى إحدى قلاع الجبل ، بعد أن ينجح فى استقطاب قطاعات كبيرة من الحرافيش الذين يتبنون نوعاً من الأيديولوجية المضادة للقيم والمعايير الاجتماعية ، ويقوم بتشكيلهم تنظيمياً فى مجموعات صغيرة تدين بالولاء والطاعة لقائدها الذى ينمى فيها نوازع التمرد على السلطة الحاكمة .

"برهام : (يقف خطيباً) يا اخوانى .. حمدا لله على أنا وفقنا فى الهجرة من ارض
الكفرة ارض العصيان .. لنكون هنا فى ارض الهجرة والإيمان .. الهجرة
يا إخوان .. هى أول رحلتنا لكن العودة آخرها .. وما بين الهجرة والعودة
سيكون لدينا الوقت لنشحذ همتنا وعزيمتنا .. ونعد العدة والقوة لنواجه
من كانوا سبباً فى هجرتنا .. ونطهر أرضاً عاثوا فيها فساداً وفسوقاً
ونخلصهم من حكم الطاغوت الكافر وتراث المجتمع الفاجر "(49)

تكتسب أحداث المسرحية شكلاً درامياً يعكس منظوراً معاصراً ، ورؤية سياسية حاضرة، فقد نجح السلامونى فى عقد مقابلة نقدية ما بين مغلفات الماضى ومفرزات الحاضر ، حيث تشير وقائع المسرحية إلى أزمة حقيقية من أزمات مجتمعنا المصرى فترة السبعينيات وتتناول بالنقد عبر سلسلة من الإسقاطات تلك الفترة التاريخية التى شهدت العديد من الجرائم الإرهابية التى استهدفت الاستيلاء على السلطة ، والوصول إلى الحكم ، فيستعرض من خلال عصابة برهام مبادئ جماعات التطرف الدينى التى ظهرت على الساحة إبان فترة حكم السادات ، والتى ارتكزت على وصف المجتمع بالجاهلية والكفر ، "والاعتقاد بان المسلمين جميعاً قد ارتدوا كفاراً لأنمه يحكمون بغير ما أنزل الله ، وانهم قد رضوا بذلك ولم يعملوا على تغييره ، وذلك استناداً إلى الآية الكريمة (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدون فى أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً) (سورة النساء، الآية 65)

كما يبرز دعوة تلك الجماعات إلى ضرورة العزلة عن المجتمع ، حيث تأخذ قضية العزلة فى نهج فكرها المتطرف صوراً مختلفة فتكتفى جماعات باعتزال المجتمع ومفاضلته شعورياً لتجنب المنكرات ، بينما تنادى جماعات أخرى بالهجرة المادية ولو إلى الكهوف والجبال . " (50) حيث يذهب أصحاب الاتجاه الأخير إلى أن الجماعة الإسلامية مستضعفة ، ولم تقو شوكتها بعد، ويؤمنون بضرورة الإعداد والتدريب الجيد على القتال حتى يستطيعون فى النهاية غزو المجتمع الجاهلى من خارجه ، وقد انتهج "برهام" فى نص "السلامونى" ذلك الفكر حيث قرن العنف بالإيمان بل اكثر من ذلك قرنه أيضاً بفكرة التكفير ، فهو يؤمن بان عدم الاعتراف المطلق بالدولة الكافرة القائمة يستبيح إزالتها بأى صورة من صور العنف والإرهاب.
كما يشير الكاتب إلى أيديولوجية الطاعة العمياء لأمير الجماعة ، والتى تستند إلى التبعية المطلقة دون توقف أو تراجع أو تساؤل.

"معروف : جرى ايه يا برهام .. مش قلت انك حاتبطلهم شغل التحشيش .. ده بدل ما
تقول نفتح كتاب .. تفتح غرزة.

برهام : على مهلك بس يا شيخ معروف .. أفهمنى أمال ما هو ده الكتاب

معروف : بتقول كتاب .. كتاب بتعلم فيه فن التحشيش ؟

برهام : لو تفهمنى تعرف غرضى .. التحشيش ده وسيلة تدريس زى الكتاب ..
منهج ترويض .. أسلوب تدريب

معروف : حاجة عظيمة .. تدريب على ايه .. على غسل أمخاخهم وعقولهم ..
تدريب ازاى يلغوا التفكير

برهام : لا يا صديقى وأنت الصادق .. تدريب ع الطاعة بدون تفكير .. هو أنت
نسيت .. طاعة عمياء خرساء بكماء .. يعنى أجازه من التفكير "(51)

وقد جنح الكاتب إلى تأكيد المشابهة بين ظاهرتى الإدمان والإرهاب – كما فعل سلماوى فى نص الجنزير – إيماناً منه بتوحد الظاهرتين فى الاعتماد على تغييب الوعى لتحقيق أهدافهما فى الحصول على واقع أفضل .
وقد اعتمد برهام فى محاولته لقلب نظام الحكم على عنصرى الدعاية المضادة ، والتنظيم المسلح ،" فجريمة الاعتداء على السلطة هى ولدية عصر ملىء بالتغيرات والأزمات ، وصراع الأفكار ، وفيه لا يمكن النظر إلى هذه النوعية من الجرائم دون أن نأخذ فى الاعتبار قضية الشرعية الدستورية كأساس للسلطة ، حيث لا يمكن الخروج على هذه الأخيرة بطريق العنف مهما كانت مدى مشروعية مطالب المجرم السياسى المعتدى "(52)
وقد استوعب برهام هذا الدرس فبدأ بالدعاية المضادة ، والتشكيك فى أصول نسب الحكم الفاطمى ، واتهامه بالزيف والضلال .

واستكمالاً لمسلسل الدعاية القائم على تهديد النظام الحاكم بترويج فكر مناهض للسلطة، واستغلال المشاعر الدينية للشعب فى تنظير الرفض لما هو قائم ، والحلم بما يجب أن يكون. يتنكر "برهام" فى زى عابد زاهد من أهل برهامستان ، جاء ليقص على الشعب المصرى رؤياه، فيصنع من "تميم" مهدى منتظر ، منوط من قبل الله بتخليص البلاد من شرور الكفر والضلال . وينقاد الشعب المستكين ثانية وراء وهم الدعايات الدينية المزيفة .

"برهام : أن الحكم لديكم لم يلتزم بحكم الشرع .. والهاتف حين أتانى أخبرنى أن
المهدى المنتظر لهذا المجتمع المحكوم بلا شرع هو شخص يدعى تميم ..
هو من جاء يطبق أحكام الشرع . ولذلك يا إخوان جئت أحذركم إذ سوف
يظل المجتمع لديكم فى كفر وضلال .. ما لم يحكمه المهدى المنتظر تميم
الآتى كى ينقذكم من هذا الكفر البين والبطلان .. فتميم يا إخوان هو
حاكمكم، هو منقذكم .. هو مهديكم هو مرشدكم .. هو رب سفينتكم .. من
يقدر أن يرسو سفينتكم فى بر أمان .. فليهتف كل منكم يا إخوان لا حكم
مصر بغير تميم .

الجميع : لا حكم مصر بغير تميم " (53)

لقد اعتمد "برهام" فى مؤامرته على لعبة الدين والسياسة فادعى انه مدفوع بوصايا إلهية لتمكين "تميم" من الحكم . وهنا لا ينكر الكاتب – كما لا يمكن لعاقل أن ينكر – أهمية الاصلاح الدينى ، وضرورته فى مجتمعات أدمنت الجمود والتقليد ، وصارت فى أمس الحاجة إلى نشر العقلانية فى طرائق التفكير ، وتمكين الدين من تقديم إجابات واضحة لكل أزمات الواقع ، وأسئلته الملحة وفق منطق العصر واحتياجاته . ولكنه أنكر معالجة الواقع القائم بأفكار خاطئة ومغلوطة عن الإسلام لا تستهدف الاصلاح بقدر ما تستهدف تحقيق مطامع سياسية .
وتأكيداً لهذا المعنى يقدم لنا الكاتب شخصية "الشيخ معروف" كواحد من رجال الدين المستنيرين ، وكرمز من رموز مواجهة العنف والإرهاب ، وكجبهة معارضة ضد تسييس الدين لخدمة المصالح الشخصية .

" بشندى : طب ايه الحل يا شيخ معروف

معروف : نربأ بالدين عن ملاعيب الحكام فى الحكم

برهام : أيوه .. قصدك فصل الدولة عن الدين .. مش ده غرضك يا شيخ معروف

معروف : أفهمنى يا برهام .. أنا قصدى ما نخلطش أمور الدولة فى أمور الدين ..
خلط الأوراق بين الأمرين لعبة خطيرة بتشوه صورة الاثنين .. ودى
مأساتنا فى كل تاريخنا ودى غلطتنا اللى مازالت فى مطاردتنا .. من عصر
الفتنة الكبرى لحد الآن . تطاردنا ليوم الدين غلطة خلط الأوراق واللبس
الحاصل بين الناس وفى أذهانهم حتى اختل الميزان وظهر حكام أشكال
وألوان .. وفرق وشيع وملل من كل مكان وفى كل زمان " (54)

وهنا تكمن مقولة النص ، حيث تكشف الرؤية الفكرية للكاتب عن إيمانه بضرورة فصل الدين عن السياسة ، ويرى فى هذه الفصل حلاً للصراعات القائمة حول السلطة على مر التاريخ العربى . كما يحمل النص بين خلجاته إشارة واضحة لوجوب عدم الخلط بين فصل الدين عن السياسة ، وفصل الدين عن الدنيا . فليس من طبيعة الدين أن ينفصل عن الدنيا ، وان يكون فى ركن ضئيل منها بينما تسلم سائر الأركان الأخرى لآلهة مزيفة يضعون لها المناهج دون الرجوع إلى شرع الله ، فليس من طبيعة الدين أن يشرع طريقاً للآخرة لا يمر بالحياة الدنيا ، ولكن على الجانب الآخر يجب أن نترفع بالدين عن المهاترات السياسية ، وان نحرم استغلاله كقناع تتستر خلفه مطامع سلطوية . كما يجب على الحكومات العربية أن تترك الدين الإسلامى حراً من قبضتها السياسية ، أى أن تكف عن توظيفه ، واستخدامه بما يخدم مصالحها وأهدافها ومآربها المتقلبة المتغيرة ، بهدف قمع كل صاحب رأى معارض أو مخالف ، بصرف النظر عن قيمة الحقيقة التى يستند إليها وتكريساً لثقافة العنف ، والإرهاب ، وأهميتها فى المحافظة على كرسى الحكم .
ولا جدال فى أن الصراعات السياسية المختلفة على السلطة من شأنها أن تؤدى إلى العنف والإرهاب بكافة أشكاله كالتنظيم المسلح ، والاغتيال السياسى .

"تميم : ناوى تعمل ايه يا برهام ؟

برهام : يا أمير.. طعنة الخنجر دواء من كل داء

تميم : ناوى تطعن مين يا برهام ؟

برهام : أى واحد يعترضنا

برديس : بس ده غدر وخيانة

برهام : واللى عملوه فى الأمير .. لما عزلوه .. لما طردوه مش ده أصل الغدر
وأساس الخيانة .. صدقونى .. هو ده اسهل وسائل الانتصار .. عندى
ميت راجل مدرب ، كلهم بايعين حياتهم لاجل تنفيذ الأوامر كل واحد لو
قتل مسؤول كبير واحد فى مصر بعدها الدولة حتسقط بين أيدينا بدون
معارك أو حروب .

برديس : لعبة دموية ومخيفة

برهام : يا أميرة أن بعض الدم إصلاح وخير .. أن بعض الدم حقن للدماء .. لو
قتلنا ‘ثنين ثلاثة مش ده أحسن من دخول حرب ومعارك يتقتل فيها
الآلاف" (55)

يقدم لنا النص من خلال شخصية "برهام" نموذجاً للآليات العقلية الجامدة والمتحجرة التى تنطوى عليها عقول الإرهابيين ،خصوصاً حين يبررون لأنفسهم ولغيرهم قتل الأبرياء بدوافع لا علاقة لها بالإسلام .
ومع تقدم الأحداث يتم القبض على" برهام " ، ولكنه ما يلبث أن يهرب ، ويظن "العزيز" أن هروبه كان بتدبير من أخيه "تميم" ، فيأمر بنفيه . ويلتقى "تميم" "ببرهام" فى قلعة الجبل، ويتخذ "برهام" من قصة نفى "تميم" ذريعة لإقناعه بعدالة خطته فى الاستيلاء على الحكم ، ويدخل معه فى نقاش جدلى حول مشروعية استرداد الحقوق بالعنف والإرهاب ، ذلك النقاش الذى يكشف عن المرمى الحقيقى للمؤامرة ، وعن مطامع "برهام" فى الاستئثار بالسلطة لنفسه . وتهاجم عصابة الحشاشين مدينة القاهرة ، وتستولى عليها ، وتحاصر قصر العزيز، وتهدد آل المعز جميعاً بالقتل ، ليرفع القناع عن الوجه الحقيقى للإرهاب ، وأيديولوجية العنف التى تتخفى حيناً وراء هتافات العدل والحق ، وأحياناً وراء الشعارات الدينية البراقة.
وهنا يحذر النص من الخلط بين مفهوم العنف ، والدين الإسلامى وهو خلط مغلوط من أساسه ، فالدين الإسلامى دين يدعو إلى السلام والعدل والحق ، يدعو إلى احترام الإنسان ، والمحافظة على سلامته مادياً ومعنوياً ، دين يدعو إلى إقامة الحوار والنقاش ، وإعمال العقل والمنطق ، لا إلى العنف والقتل والفساد . فالإسلام الحقيقى دين التسامح ، والاعتراف بالآخر ، واحترام حقه فى العيش والاختلاف.

"برهام : لا اتفاق مع مجتمع وثنى كافر .. هو ده حكم الشريعة والحاكمية للإله .

برديس : لو بتفهم ايه يكون حكم الشريعة فى مجتمع كافر تقول .. اذهبوا فأنتم
الطلقاء يا أمير " (56)

ووفقاً للمنطق القائل المقدمات تؤدى إلى النتائج فإن الجو السياسى العام ، وتواكل الناس ، وعدم قدرتهم على الفعل ، وجشع الطامعين فى السلطة ، كل هذه المقدمات لابد وان تصل إلى النتيجة المنطقية وهى انتصار الظلام ، وتملك "برهام" زمام الأمور.
ويحيلنا الكاتب بأسلوب ساخر إلى عواقب وضع السلطة فى أيدى المتشردين من المتأسلمين فيستعرض جوهر الفكر التحريمى الذى تتمحور حوله سياستهم ، وما يتضمنه من املاءات الدين وشروطه التعسفية من جمود عقائدى وانغلاق فكرى مصحوب بعناد ومكابرة فى توكيد موضوعات بالية وأفكار شائخة بعيدة عن صحيح الدين ، ولا يثبتها العلم، ولا يقرها الواقع النابض بالتغيير والحيوية والتطور.

"برهام : من أمير الأمراء وفقيه الفقهاء الأمير برهان أمير المسلمين الصالحين
الرجل يخرج بدون لحية حرام .. بدون جلابية بيضة زاعرة حرام .. ست
تخرج دون نقاب حرام .. زينة فى الأفراح حرام .. التنزه والتمشى على
النيل حرام .. التمتع بالجناين وشم النسيم حرام .. الجلوس على المقاهى
حرام .. أكل الكوسة والكسكسى حرام .. رؤية الحاوى وخيال الظل حرام
..... الربابة والغناء والرقص حرام .. شعر أو شعراء حرام .. طبل زمر
ناى حرام .. العلاج عند الطبيب حرام .. الأكل بالشوكة والسكين حرام ..
لبس السراويل والفساتين حرام " (57)
وتنتمى شخصية المجرم فى نص "السلامونى" وفقاً لنظرية "ميرتون" إلى نمط الانحراف المتمرد الذى ينظر إلى الأنساق الاجتماعية القائمة باعتبارها نظماً جائرة وغير متميزة بالشرعية ، فيقوم بحركات جماعية فى صورة فعل سياسى منظم من أجل التمرد عليها ، وتحقيق مصالح سياسية خاصة به فى محاولة لإيجاد نظام بديل قائم – من وجهة نظره – على الشرعية والعدالة الاجتماعية ، فالسلطة قد أفسدت "برهام" ، وعملت على تخريبه من الداخل ، أو بالأحرى ساهمت نقاط الضعف الإنسانى داخله فى إسقاطه أخلاقياً وسياسياً ، فينحرف فى اتجاهات إجرامية تدعم مصالحه الذاتية ، وامتيازاته المكتسبة .
ويرى الكاتب أن أعمال العنف والإرهاب نموذجاً للقضايا الكبرى والمهام الجسيمة التى لا تقتصر مواجهتها على الدولة فحسب ، بل لابد وان يكون المجتمع بشتى قواه ، ومنظمات مجتمعه المدنى شركاء فلا تحمل هذه المسؤولية ، لان قضية من هذا النوع تسعى إلى النيل من الكل ، ومن هنا تتطلب يقظة الجميع من أجل مواجهتها هذا إذا أردنا – فعلاً نحن الأفراد – وأرادت قوى المجتمع ، ومؤسساته المختلفة الحفاظ على بقائها وكينونتها ، واستمرار وجودها.

"تميم : كان غرضكم تقتلونا وتعلنوها دعاية للحكم الجديد .. حكم عصر
الحشاشين .. بس ما قدرتوش علينا .. أنت عارف ليه يا برهام .. مصر
قامت والمدينة القاهرة صحية وفاقت

برهام : شىء جميل .. وأنت يا أمير اللى صحيتهم بنفسك ؟

برديس : عمى صوان اللى بانى مصر صحاهم يا برهام .. عمى صوان وبشندى
واللى شاركوا فى بناء القاهرة والجامع الأزهر وسيدنا الحسين والسيدة
بنايين مصر القديمة والجديدة مهندسيها.

تميم : نجارينها وحدادينها

برديس : شغالينها وفلاحينها

تميم : سقاينها وحمالينها

برهام : وأكيد مطربينها ورقاصينها

برديس : ولأجل خاطرك .. طبالينها وزمارينها

تميم : رسامينها ومثالينها " (58)

يشير الحوار السابق إلى أن مواجهة أعمال العنف والإرهاب ليست عملاً أمنياً يناط بالدولة فقط القيام به ، وتحمل أعبائه ، وتبعاته بمفردها ، بل هو إلى جانب ذلك عمل مجتمعى ، ومسؤولية فردية . وقد فطن "الشيخ معروف" إلى ذلك ، فحاول بدوره إيقاظ الوعى المجتمعى لجماهير الشعب معطياً إياه قوة دفع إلى التحرك لاكتشاف زيف تلك الجماعات ، ومواجهة القوى المتربصة التى تسعى إلى النيل منه ، وتحاول أن تجهز عليه لتورده معها مهاوى التهلكة . ويدرك "برهام" خطورة "الشيخ معروف" فيحاول استمالته وكسبه لصفه ، وعندما يفشل يقوم بقتله – مدعياً انه قد ارتد عن الإسلام – فى دلالة رمزية، وإشارة تحذيرية من الكاتب إلى محاولات جماعات التطرف لهدم صحيح الدين وسماحته .
ويشكل مقتل "الشيخ معروف" لحظة الانطلاق والتثوير لجموع الشعب التى هبت من سباتها لتزيح عن أعينها غيمة الخنوع والسلبية ، وتقف صفاً واحداً فى مواجهة عناصر العنف والإرهاب .

"بشندى : الشيخ معروف مرتد .. لا حول ولا قوة إلا بالله .. الشيخ معروف كان
أتقى وأشجع خلق الله .. منك لله يا برهام .. ده احنا ولا عايشين فى غابة
.. هو مافيش شرطة ولا حكومة علشان تنقذ أرواح الناس ايه يعنى
خلاص حانسيبهم طايحين فى بلادنا يرهبوا فينا ويموتوا فى قلوبنا
الإحساس .

صوان : لا يا بشندى الناس هى اللى ضرورى تقوم .. لا الشرطة ولا حكومة ولا
جيش يقدروا يعملوا حاجة من غير الناس .. الناس لازم يبقى لهم دور

بشندى : الناس مين يا معلم .. خللى الطابق مستور .. الناس متوولة ونايمة على
ودانها .. الناس خايفين لابدين فى جحور

صوان : الناس لازم تصحى وتبطل خوف زى ما كان الشيخ معروف بيقول .. دى
حياة أو موت .. معقول نفضل خايفين من صيع يقتلوا فينا وباسم الدين ..
طب ليه ساكتين طب ليه نايمين ولأمتى حاتفضلوا كده خايفين .. قوموا
وفوقوا واصحوا وشوفوا مصر بلدكم حاتروح على فين .. مصر أمانة
حافظوا عليها وأوعوا تناموا تفرطوا فيها واحموها من رمش العين " (59)

كما يرى الكاتب ضرورة أن يضطلع الفن بوظيفة تنويرية وتثقيفية على نحو يجعله أداة فعالة فى مواجهة أفكار التطرف والإرهاب . فلا جدال فى أن للفن دور إيجابى وتصحيحى لفتح رؤى جديدة فى أفق الوعى الاجتماعى الضيق بهذه الظاهرة ، وتفعيل ذلك الوعى ضد الأخطار الفكرية ، وتحصينه بفكر ناقد ومفند لخلق مسوغات الفرد الإيجابى تجاه وطنه والحفاظ عليه من أى قوى غادرة تحاول النيل من أمنه واستقراره ، حيث أن الانغلاق الفكرى والثقافى فى بعض الأوساط المجتمعية هو الذى يساهم فى نشأة ذلك الجو الذى قد يقود أحياناً إلى تفريخ عناصر إرهابية إذا وجد من يزكيها

"تميم : ... المهم نخلى كل الناس تقول .. صوتها يعلى ورأيها يعلى لفوق فوق
النجوم كلمة الناس ورأى الناس أهم من السلاح ومن الجيوش .

برديس : بالقصيدة غنوة حلوة .. برأى حر بفكرة حرة .. بعقل متنور وزاهى وفهم
واعى " (60)

ومن ناحية أخرى فان للفن دور هادف فى إرساء القيم الإنسانية النبيلة ، وتنمية الوعى الجمالى ، مما يساهم فى النهوض بالواقع ، والأمل فى مستقبل أكثر إشراقا وهو المنطق الذى استند إليه "تميم" فى رفضه لطلب "برهام" بالتخلى عن الشعر .

"تميم : والحياة تكون ازاى بدون شعر وأغانى .. ازاى تكون من غير جمال .. كل
ده ليه يا برهام .. عشان أكون قصاد الناس حاكم كئيب .. لا يا برهام
يفتح الله " (61)

يؤكد النص فى أكثر من موضع على أن الفن قادر برموزه وإبداعاته على إعادة إنتاج وتوليد وتجديد منظومة القيم المجتمعية ، وتوجيهها بما يضمن سلامة المجتمع وأمنه ، والمقصود بالفن هنا هو الفن الرفيع الذى يخاطب العقل والعاطفة ويرتفع بمشاعر الإنسان ، ويسمو بعواطفه ، ويزيد من إحساسه بالجمال . أما الفن الفاسد الذى يستهدف إثارة الغرائز ونشر القبح والفساد فلا يمكن أن نسميه فناً على الإطلاق .
وتأكيداً لتلك الرؤى الفكرية تأتى نهاية المسرحية بمثابة لحظة تنوير ، فبعد أن تعم الظلمة كل شىء فى مسرحية "أمير الحشاشين" تحتشد جموع الشعب ، وتبدأ مواجهة عنيفة بين "برهام" وأتباعه من جهة ، والجماهير المصرية من جهة أخرى ، وتنتهى المسرحية بانتصار إرادة الشعب ، وإعلائه لقيم التسامح والحب والخير والجمال . 

الاغتيالات السياسية فى المسرح المصرى

بسم الله الرحمن الرحيم
ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق
صدق الله العظيم

تعتبر جرائم الاغتيال السياسى من أخطر الجرائم الإرهابية ، وهى حلقة من حلقات الصراع السياسى فى المجتمع المصرى ، " وقد عرفت الاغتيالات السياسية فى مصر منذ أواخر حكم المماليك .
وكانت أول جريمة ارتكبت فى تاريخ مصر الحديثة هى مقتل " كليبر " (الجنرال الفرنسى) ، الذى تولى قيادة الحملة الفرنسية بعد " نابليون " ، وقد اتهم فيها "سليمان الحلبى " ، وقبلها مذبحة المماليك فى القلعة على يد "محمد على " ، كما حملت الفترة قبل الثورة بالعديد من الاغتيالات السياسية التى ارتكبت كوسيلة للتخلص من أعداء الشعب ، أو أعداء الدولة ، والتى كانت أما بتدبير الدولة ، أو بعض الجماعات الإسلامية " (62)
وفى الفترة محل الدراسة ، ازدادت حوادث الاغتيال بشكل ملحوظ ، وكان ضحاياها من كبار الشخصيات السياسية ، والعسكرية ، والدبلوماسية ، والبرلمانية ، والأدبية . ولعل أخطر حوادث الاغتيال التى وقعت فى مصر فى العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين حادث اغتيال الرئيس " محمد أنور السادات " رئيس الجمهورية يوم 6 أكتوبر سنة 1980 . كما شهد عام 1990 عدة جرائم اغتيال أهمها اغتيال الدكتور " رفعت المحجوب" رئيس مجلس الشعب على يد إحدى الجماعات الإسلامية . وفى عان 1995 تعرض الرئيس " محمد حسنى مبارك " لحادث إرهابى فى أديس أبابا كاد يودى بحياته .
وقد تعرض الكاتب " سمير سرحان " لواحدة من تلك الجرائم السياسية فى مسرحيته " امرأة العزيز " ، والتى لجأ فيها إلى أسلوب معالجة التراث الدينى للتعبير عن تجربة معاصرة فقد قدم لنا الكاتب رؤية عصرية لقصة سيدنا " يوسف" مع امرأة العزيز ، يعكس من خلالها صورة لواقع الحياة فى مصر فى أربيعنيات القرن العشرين ، بكل ما كان يعتمل فى هذا الواقع .
وتدور أحداث المسرحية حول "زبيدة" ابنة أحد شعراء الصالات فى" روض الفرج " ، ذلك الحى الذى كان مزدحماً بالملاهى والحانات خلال أربعينيات القرن العشرين ، وقد عاشت سنوات طوال تحلم بالانتقام لوالدها الذى قتل أمام عينيها ، وهو يدافع عنها ضد اعتداء أحد الجنود الإنجليز الذى حاول اغتصابها وفى صالة " كرياكو" تتعرف "زبيدة" على "يوسف الذى يتبناه "غزيز باشا" رئيس وزراء مصر وهو صغير ، وتنشأ بينهما قصة حب ، ويتبين لها انه أحد الذين يقاومون جنود الاحتلال الإنجليزى بالاغتيالات ، وتعلم أن الكولونيل الإنجليزى الذى جاء ليسهر فى الصالة برفقة "عزيز باشا" هو هدف المقاومة فى هذه الليلة . وتساند "زبيدة" حبيبها وأصدقاءه فى عملية الاغتيال ، وينجح "يوسف" ورفاقه فى تنفيذ العملية ، ويخر الكولونيل صريعاً ، ويأمر "عزيز باشا" بإلقاء القبض على يوسف وكل من كان فى الصالة ، وإيداعهم السجن ، ليثبت للجميع أن الواجب فى عرفه أهم من العاطفة . أما "زبيدة" فيأمر بإحضارها إلى القصر ، ويجبرها تحت الضغط على الزواج به ، وعلى الحياة معه فى القصر بعد أن استبدل اسمها باسم "دلال " ، وتقبل "زبيدة" الزواج من "عزيز باشا" بشرط الإفراج عن "يوسف" .

ويعود "يوسف" إلى بيته ، فيجد حبيبته وقد أصبحت زوجة الرجل الذى تبناه ، وتحاول "زبيدة" إقناع "يوسف" بأنها قد فعلت ذلك لإنقاذه ، لكن "يوسف" يرفض هذا الحب الملوث ، وتنتهى المسرحية بعد أن تكشف عن مدى الفساد السياسى فى ظل الاحتلال ، وحكم عملاء الاستعمار الملىء بالدسائس والمؤامرات.
وبالرغم من أن النص تدور أحداثه فى أربعينيات القرن العشرين إلا أنه يعكس أحداث سياسية معاصرة واكبت الانفتاح الاقتصادى " (63)
ويرى أمير سلامة (64) أن سمير سرحان قد وفق إلى حد بعيد عندما اتخذ من قصة سيدنا "يوسف" الدينية إطارا لمعالجة أحداث مسرحيته ، فقد قصد بذلك أن يدعونا أن نتأمل الجديد من خلال القديم ، وأن نمعن النظر فى أمر حياتنا المعاصرة من خلال عالم البراءة المتمثل والمرتبط بيوسف الذى احتفظ المؤلف باسمه لبطل مسرحيته ، والذى وجد نفسه فى بؤرة صراع فى زمن اختلط فيه الخير والشر ، أو كما عُبر عنه فى المسرحية عن حق بأنه زمن الانحطاط .
لقد طرح الكاتب موضوعاً استوحاه من التراث الدينى وعلينا أن نقارنه بواقعنا ، من خلال فكرة الصراع الذى أجاد "سمير سرحان " حبكها بين عالمين متصارعين أحدهما رمز للملكية والإقطاع ، ويضم الحكام والعمد وأصحاب رؤوس المال والسماسرة ، وكلهم يملكون ويبعثرون ولا تشغلهم سوى اللذة والمتعة والمصلحة الشخصية ، والآخر رمز للفقر والمعاناة ، ويضم أهل حى روض الفرج وفنانيه ، وهم لا يملكون سوى الحب والشعر والفن. ويمثل "يوسف " فى نص " سمير سرحان" همزة الوصل بين العالمين ، فهو كابن بالتبنى "لعزيز باشا" ينتسب إلى عالم الملكية والإقطاع ، وكرمز للقوى الجديدة التى تسعى للتغيير ، فهو ينتمى إلى عالم روض الفرج بكل معاناته وآلامه .

"يوسف : ناس بتكسب من غير حساب وجاية تبعتر فلوسها وفلوس البلد فى
الصالات والكباريهات .. وناس جعانة مش لاقية تأكل لازم يكون فيه
حل"(65)

وقد حاول الكاتب استنطاق القصة الدينية القديمة لكى تعبر عن الواقع المصرى فترة السبعينات من خلال إسقاط دلالات معاصرة عليها ، وتفريغها من مضمونها الدلالى القديم ، فى محاولة للمواءمة بين أحداثها ، وشخصياتها ، وشخصيات الواقع المصرى فى تلك الفترة .
فأحداث المسرحية التى أختارها المؤلف من تاريخ مصر فى الأربعينيات " لم تقف عند جانب واحد ، وإنما اجتهدت فى أن تتعرض لمختلف الجوانب ، بحيث تشعر . وإنك تشاهد تلك المرحلة فناً ومجتمعاً وسياسة وشعراً ونضالاً فهى بانوراما شاملة تضطرع بالحركة والصراعات والتوترات " (66) التى تلقى ظلالاً واضحة على مفاسد ومساوئ تلك المرحلة الحافلة بالمقاومة الوطنية ، وسيادة طبقة أصحاب رؤوس الأموال من عمد وإقطاعيين من أغنياء الحرب والباشوات والبكاوات ـ وهى أشبه ما تكون بالطبقة الطفيلية الانفتاحية ـ وما صاحب ذلك من انتشار للفن الهابط المتمثل فى المونولوجات ، والأغانى المبتذلة والرقصات الرخيصة التى انتشرت عبر صالات روض الفرج الشهيرة فى هذه الفترة التاريخية ، والتى تهدف إلى تسلية وإمتاع هذه الطبقة الصاعدة ، مع كل ما يحمله ذلك من إسقاط على الواقع المطروح فترة السبعينيات ، التى شاهدت تغيرات جوهرية فى النسق الاقتصادى والاجتماعى والسياسى فإذا كانت الحياة الاقتصادية فترة الانفتاح أصابها التمزق وسيطرت عليها عناصر داخلية وخارجية لا هم لها غير الكسب من اقصر الطرق ، أياً كانت طبيعة هذه الطرق ، فلا عجب أن تتشوه الحياة الثقافية والفنية فى المجتمع بفن هابط ردىء يخدم أهواء ورغبات الطبقة الطفيلية فى ظل غياب الرقابة عن سوق هذا النوع من الإنتاج الفنى .

"العمدة : (بأعلى صوته بتبرم شديد) فين الرجاصة ؟ حتنكدوا علينا ولا أيه ؟
(يجرى إليه الخواجة ) .

كرياكو : مافيش رقاصة النهاردة خضرة العمدة ..النهاردة تشخيص وبس .

العمدة : أنا بايع القطن وجاى على هنا طوالى بالسانت كروفت عشان الرجاصة"(67)

وقد ساهمت هذه الطبقات بدور كبير فى انهيار منظومة القيم الأخلاقية فى المجتمع المصرى، بما اكتسبته من أخلاقيات الأنا والاستعداد الفطرى للاستغناء عن كل القيم والمعايير نظير الحصول على المادة .

كرياكو : من فضلك يا بيه .. الليلة مش عاوزين مسخرة .

الأفندى : (محتجاً) يعنى إيه ؟

كرياكو : يعنى تروخ الست وتتفضل خضرتك أخلاً وسخلاً .

الأفندى : (محتجاً) أروحها ؟ لأ بقه أنا قاعد هنا بفلوسى ( يخرج محفظته يقذف
على الترابيزة بعض العشرات ) مش مكفيك دول ؟ (يخرج من جيبه
رزمة ) خد كمان ..أنت فاكرنى أفندى ولا موظف ؟ أنا أكبر تاجر فى
المغربلين ! .

يوسف : (عند منضدته) عفن .... كله عفن " ( 68)

كما تعرض الكاتب فى نصه لواحدة من قضايا الفساد السياسى ، وهى انتهاج السياسيين نهجاً أيديولوجيا يحاولون به التقرب إلى الغرب الرأسمالى ، مقابل تقديم العديد من التنازلات التى غالباً ما تكون ضد مصلحة البلاد فكراً وعملاً ، مما يعد خيانة للشعب والوطن . فيقدم لنا الكاتب شخصية "عزيز باشا" رئيس وزراء مصر الذى اختار أن يضع يده فى يد أعداء بلده الإنجليز لضمان البقاء والسيطرة على الحكم .
" الباشا : أنا ما خنتش .

زبيدة : لا يا باشا خنت .. أنت حطيت إيديك فى إيد الإنجليز أعداء بلدك .. كان
لازم لحظة فظيعة زى دى تحصل عشان تعرف الحقيقة .

الباشا : أنا ما حطتش أيدى فى أيدهم .. بالعكس .. هما اللى محتاجين لى ..
واشتغلنا مع بعض مرحلة .. دى سياسة .. فى مرحلة ممكن نبقى أصدقاء
.. وفى مرحلة تانية أعداء .. سياسة .. بقولك .. المسألة مش بالبساطة
دى .. مش واحد زائد واحد يساوى أتنين .

زبيدة : لا .. المسألة بالبساطة دى .. الإنجليز أعداءنا وأنت تعاونت معاهم وأنت
نفسك ضميرك بيعذبك أحياناً لما تفتكر الحقيقة وأنت قاعد لوحدك " ( 69)

ولا شك فى أن مثل هذه القضايا كانت محض جدلية واسعة النطاق فترة حكم السادات "الذى تعرض هو نفسه إلى حملة دعائية رحبت بها كل الصحف العربية تشكك فى سلامة الطريق الذى أختاره ، خاصة عندما اتجه إلى الاتصالات المباشرة مع أمريكا ، ومع إسرائيل، وتشكك فى أنه قدم تنازلات لم يأخذ عنها عوضاً إلى أخر هذه الاسطوانات التى أصبحت تدار فى كل الصحف العربية ، وعلى مستوى كثير من المسؤولين فيها " (70)
لقد أختار "سمير سرحان " واقعاً تاريخياً مطعماً بالأحداث ، مرصعاً بالصراع ، مشحوناً بالتوتر ، ولكنه صالح فى الوقت نفسه ـ قصد الكاتب ذلك أو لم يقصد ـ للتطابق مع كل عصر تتشابه فيه الظروف والملابسات (71)
وأمام كل هذه المفاسد على مستوى الصعد المختلفة ، لم يكن هناك بديل عن تواجد قوى مضادة تقاوم ذلك الفساد السياسى والتردى الأخلاقى ، ومن هنا جاء "يوسف " فى نص "سمير سرحان " ليكون رمزاً لأى فرد يبحث عن العدالة ، أو أى مجاهد يناضل ضد الفساد فى أى زمان ومكان . فشخصية " يوسف" فى هذا النص لم تكن تعبر عن ذاتها بقدر ما كانت تفسر عصراً بأكمله ، وتلقى الضوء على هموم هذا العصر، بل كل عصر يعانى.
وباغتيال "يوسف" للكولونيل الإنجليزى ووصول "زبيدة " قصر " عزيز باشا" تأخذ الأحداث بعداً دراميا جديدا تتصاعد خلاله حدة الصراع بين مثلثين متناقضين أولهما فاسد ، يمثله "عزيز باشا" العقيم جسديا وسياسياً والذى يبرر زواجه من "زبيدة" بأنه وجد فيها ما يفتقده من شباب وحيوية وفترة طبيعية بعيدة عن قيد العادات والتقاليد وسجن البروتوكولات ، إلا أنه يستغل هذا الزواج كأداة يخدع بها الشعب ، ويخدره بدعاواه الزائفة عن الديمقراطية بالتظاهر بأنه تزوج امرأة من طبقات الشعب البسيطة .

"فهمى : الجوازة دى ضربة معلم يا باشا .. أعتقد أن صراعك مع جلالته أتحسم
لصالحنا !
عارف : يعنى إيه ؟ مش فاهم !
فهمى : جلالته كان ناوى يصدر أمر بإقالة الحكومة .. وكان بيتحدى بذلك الإنجليز
.. حجته أن الحكومة مش ديمقراطية بما فيه الكفاية ! .

عارف : فهمت . ودلوقت فيه ديمقراطية أجدع من كده بقى ؟ الباشا بحالة أتجوز
واحدة من عامة الشعب " (72)

أما الضلع الثانى من أضلاع المثلث الفاسد فيمثله "فهمى بك " سكرتير "عزيز باشا" ومدير مكتبه ، ذلك الرجل الذى يدافع عن مصلحة الباشا المرتبطة بشكل مباشر بمصلحته الشخصية بغير قيم ولا معايير

" عزيز : أنت شيطان يا فهمى .. عشان كده بتعجبنى .

فهمى : أنا خدام يا باشا .

عزيز : عارف يا فهمى .. أنا لو الملك قدر يشيلنى ويحط مطرحى زعيم
المعارضة .. برضه حتروح تشتغل معاه .

فهمى : معقول يا فندم أنا كده ؟

عزيز : عارف يا فهمى .. أنت إنسان تال على كل الموائد .. اللى بتغلبه بتلعبه

فهمى : اللى تؤمر بيه يا باشا .

عزيز : ما عندكش أى أخلاق أو مثل
فهمى : أمرك يا فندم

عزيز : أنت جزمه يا فهمى .

فهمى : تمام يا فندم .

عزيز : بس بقى نوعك مفيد للى زيى .. أخلص بيه كل شغلى القذر "(73)

وتكتمل أضلاع المثلث الفاسد بشخصية "عارف" شقيق زوجة الباشا المتوفاة . والصاعد من أسفل السلم الاجتماعى إلى قمته تسلقاً وتشبثاً بالحيلة والرذيلة ، والذى تحول من كاتب بسيط فى البلدية إلى مقاول كبير من أصحاب الشركات ، وذلك كله من خلال علاقته بالباشا، وعلاقاته برجال السرايا ، وبالرغم من استنكار "عارف" لأفعال "عزيز باشا " الدنيئة إلا أنه لا يرى غضاضة فى الارتباط به والتقرب منه حفاظاً على مكاسبه التى أحرزها فى ظل هذا الارتباط .

"وديع : (لعارف) أنا شوفتك فين قبل كده ؟
(عارف يقف محرجاً )

وديع : الله .. مش أنت كنت كاتب حسابات فى البلدية ، وبتسرح بعد الظهر بكبده
مقلية ، وبعدين اشتغلت فى المقاولات .

عارف : (مشمئزاً خائفاً من انكشاف أمره ) ولد .. ولد

وديع : أيه اللى جرى يا عارف .. وأيه اللى فتح عليك وقلبك القلبه دى .. آه
سلكت مع الباشا .. أيام ما كان لسه بيه .. لا .. عرفت تسلك أمورك
كويس " (74)

وإن كان رأس هذا المثلث يمثل الفساد السياسى للدولة ، فضلعية يمثلان الطبقة الطفيلية التى طفت على سطح المجتمع المصرى فى ظل هذا الفساد .
وقد عمد الكاتب لخلق أضداد لهذا المثلث الفاسد معتمداً فى تقديم شخصياته على تكنيك المقابلة بين الشخصية السلبية المرفوضة ، والشخصية الإيجابية فيقدم لنا شخصية "زبيدة" التى تحتل أضعف أضلاع المثلث الإيجابى ، " " فزبيدة " التى تكبر "يوسف" سناً ربيبة صالة "كرياكو" بروض الفرج ، والتى ساعدت يوسف فى تنفيذ مخططه لاغتيال الكولونيل الإنجليزى تنطلق دوافعها الوطنية من منطلق ذاتى صرف ، " (75) فقد لقى والدها مصرعه فى ذات الصالة بسونكى أحد جنود الاحتلال ، وهو يدافع عنها ضد محاولة اغتصابها ، وقد شكلت هذه الذكرى الدافع المباشر لمساعدتها يوسف ورفاقه كى يثأر لها .. دون أن يتبلور لديها الوعى الكافى بأبعاد القضية الوطنية التى يمكن أن يموت الإنسان من أجلها .

" يوسف : أنت ساعدتينا ليه ؟!

زبيدة : (تتنهد ) كنت حاسة أنه حييجى يوم حد ينتقم لى من العسكرى الإنجليزى
.. ينتقم لدم الشاعر ولعمرى اللى بيتسرب من أيدى شوية شوية .. حكاية
طويلة .
يوسف : أسمعها .

زبيدة : فى يوم من الأيام .. هنا فى الصالة .. كان أبويا قاعد على نفس الترابيزة
بيكتب شعر .. قصيدة فى حب مصر .. وأنا كنت قاعدة جنبه تمام زى أنا
وأنت دلوقت .. أيامها كنت عيله بتاعت 15سنة .. دخل عسكرى إنجليزى
سكران .. عينيه حمرا .. وعضم خدوده بارز زى الشيطان .. كان باين
أن الشهوة اتحولت فى عينية لنيران .. شافنى .. جه علية والسونكى فى
أيديه .. خفت .. صرخت .. أبويا الشاعر أتحول لوحش جريح بيدافع عن
شرفه قدام الصياد .. أيديه اتخشبت على رقبة الإنجليزى .. الإنجليزى
شهق .. غرز السونكى فى صدر الشاعر دمه سال على أرض مصر"(76) .

وهنا تجدر الإشارة إلى استخدام الكاتب لجريمتى الاغتصاب والقتل ، واللتان تمتا قبل بداية أحداث المسرحية كدافع من دوافع الشخصية المسرحية للإتيان بفعل من شأنه دفع حركة التطور الدرامى للأحداث .
وزبيدة فى نص "امرأة العزيز" تجسد الشخصية الإنسانية بكل تناقضاتها ، ويتجلى هذا التناقض فى زواجها من عزيز باشا رغم قصة الحب التى تربطها بابنه بالتبنى يوسف ، وليس هذا فحسب ، بل فى تبريرها لهذا الزواج برغبتها فى معاونة المناضلين من أبناء وطنها من حيث أنها أصبحت تتواجد فى قلب " المطبخ السياسى " ، على أمل أن تمد المقاومة بأسرار القصر ، وأن تنقذ يوسف حبيبها من السجن .

"وديع : إجوزتى عزيز ليه ؟

زبيدة : كان لازم أنتقم لأبويا

وديع : بأنك تتجوزى عزيز ؟

زبيدة : بأنى أنقل الكفاح ضده لجوه بيته . " (77)

ولكنها سرعان ما تكشف لنا عن سريرتها ، وتعترف تحت ضغط عم وديع (شاعر الحانة) ، ووطأة أسئلته التى لا ترحم بالدافع الحقيقى وراء هذا الزواج فهى تبحث عن الحب والأمان فى قصر الباشا واللذان لم يستطع يوسف توفيرهما لها بعد أن وضع رقبته على كفه ؟ ووضع إصبعه على الزناد .

"وديع : (بإصرار ) إجوزتيه ليه ؟!

زبيدة : (صارخة ) زهقت .. زهقت .. الخوف .. والوحدة والأودة الضلمه ورى
المحل .. وبكرة اللى مش عارفة حيجرى فيه أية .. أنا كبرت .. كان لازم
أتجوز بقى .. أخلف .. من حقى أن يبقى لى أبن .. ويطلع غنى
..وميبقاش نفسه فى ربع كيلو كباب ويشحت شلن علشان يأكله وما
يلقاش حد يديله الشلن .. مش كده ." (78)

وتكتشف زبيدة عقم زوجها ، وعدم قدرته على الإنجاب ، فتدرك أنها قد فقدت كل شيء بعد أن افلت حبل الأمان من بين أناملها ، فتحاول أن تتشبث بآخر الطرف لعله الأمل الأخير، فتسرع إلى يوسف فى محاولة لاسترداد حبها القديم ، وعبثاً تحاول إقناعه بسلامة موقفها واضطرارها إلى الزواج من عزيز باشا أملا فى إنقاذه والإفراج عنه إلا أن يوسف (الطاهر ) لا يقبل أن يدنس ، ويرفض هذا الحب الملوث ، خاصة بعد علمه بان عملية الإفراج ما هى إلا مؤامرة وضيعة دبرها "عزيز باشا" بمعاونة سكرتيره "فهمى بيه" ، الذى اشر عليه بأن يجعل من يوسف (شاهد ملك ) أى جاسوس على زملائه وبذلك يتمكن من الإفراج عنه بعد القضاء على شرفه وكيانه للأبد وتلويث دوره أمام رفاق المقامة .
وهنا نجد أن المؤلف كان محقاً فى أن يعدل منه القصة الدينية بما يتلاءم مع طبيعة العصر ومنطقة فبينما سعت زليخه لان تضيع يوسف بإدخاله السجن عقابا له على رفضه الاستجابة لها .. فإن زبيدة فى امرأة العزيز ضعيفة من حيث أرادت أن تنقذه من السجن والموت ـ الذين كانا يمثلان قمة الانتصار الحقيقى له ـ لتقوده إلى الحرية التى هى أشر من السجن ، والى الحياة التى أصبحت أشد فظاعة من الموت ." (79)

وقد سعى الكاتب من وراء هذا التحوير والتعديل إلى التأكيد على قيم الحرية والعدالة ، ونزعها من مفهومها البسيط المرتبط بالتقييد أو التسريح ، ليغلفها بمفهوم أشمل وأعمق يتعلق بمصير شعب وأمل أمه فى الخلاص ، والقضاء على الفساد بنبذ الأنا والتسامى فوق كل خوف ولو كان مواجهة الموت .

أما "زبيدة" و "زليخة " فكلتا المرأتان تمثلان الطبيعة فى قمة بدائيتها وتأججها .. الطبيعة التى لا تعترف بالعرف والتقاليد ، وإنما فقط بالخصوبة والنماء ، وفى مشهد من أروع مشاهد المسرحية ، وهو الذى يعطيها بعدها الميتافيزيقى ـ من حيث أنه يفكرنا بلحظة الغواية التى زينتها حواء لأدم لحضه على ارتكاب المعصية ـ تسعى زبيدة أن تزين ليوسف لحظة الخيانة باعتبارها لحظة للنبل والطهر والجمال ." (80)

"زبيدة : (تدور حوله لاهثة) أنا بالنسبة لك لحظة الشهوة الجامحة .. لحظة النبل
والطهر والجمال .. لحظة الميلاد .. لحظة الموت .. لحظة ارتعاشه
الجسد .. لحظة خفقان الروح .. أنا بالنسبة لك جنة الفردوس .. إذا
دخلتها أصبح كل شيء فى متناول ايديك .. الخمرة .. واللبن والعسل ..
أجمل وأروع الثمار .. أنا الثمرة قدامك اقطفها .

يوسف : (لاهثاً) الثمرة المحرمة . " (81)

ويكاد يوسف أن يهيم بها فى لحظة من لحظات الضعف الإنسانى ، إلا أنه يبتعد عنها صارخاً (أنت شيطانه) ، فتنقض عليه من الخلف ، وتمزق له قميصه فى محاولة من الكاتب لاستنساخ المشهد المذكور فى القصة الدينية القديمة . وعندما يعلم الباشا بما حدث يعمد إلى التواطؤ والتعتيم ، حيث أن إدانة أى من الزوجة أو الابن قد يضر بهيبته أمام شعبة ، وبموقفه السياسى أمام خصومة ، والملك ليستكمل النص سلسلة اكتشافات عن مدى التدنى الأخلاقى والانعدام القيمى والفساد السياسى الذى سيطر على المجتمع المصرى فى تلك الفترة .

"عزيز : الكلام ده كله ما حصلش .. صاحبة العصمة بقلبها الحنون وأمومتها
الجافة كانت بتحنو على الولد العاق يوسف .. صور له خياله المراهق إن
عطفها عليه رغبة دنيئة .. لكن الحقيقة غير كده .. وكل اللى انتم قلتوه
ده ما حصلش .. ولا سمعت بيه .. الحقيقة بقى لا هو هم بها ولا هى
همت بيه ! "(82)

وتكمن السقطة التراجيدية لزبيدة فى رغبتها لامتلاك كل شيء فى الوقت ذاته ، فهى تريد "عزيز باشا " كمصدر للأمان النفسى والمادى ، وترى فى يوسف الحب الذى سيعوضها عن قسوة الحياة ، ومرارة الأيام التى عاشتها فى صالة كرياكو بعد مقتل والدها فتتخذ بزواجها من عزيز وسيلة لنيل المأربين ولكن سرعان ما تكتشف جدب الحياة التى تعيشها ، فتصل إلى لحظة من لحظات الاستضاقة ، واستعادة الوعى تبدأ على أثرها فى مواجهة عنيفة ومباشرة ضد عزيز باشا ، وما يمثله من فساد وظلم وطغيان .

"زبيدة : أنا قلت أنا المسئولة عن كل شيء .. أنا اللى أغويت يوسف ورفضنى ..
يا عزيز باشا إذا كنت عاوز تحكم على حد أحكم على أنا وخلصنى .. أنا
راضية باللى تحكم بيه .. بس يوسف سيبوه .. سيبوه يحقق كل اللى بيحلم
بيه سيبوه يزره الطهر والبراءة والشرف فى كل مكان .. بلاش تخنقوه ..
بلاش تقضوا على أعظم قيمة فى الوجود . " (83)

وإن كانت زبيدة هى أضعف أضلاع المثلث الإيجابى على مستوى الوعى بأبعاد القضية الوطنية ، فهى أيضاً أضعف شخصيات المسرحية من حيث الكتابة الدرامية ، حيث يأخذ الباحث على الكاتب عدم وعيه الكافى بأبعاد هذه الشخصية التى أثقلت بكم من التناقضات يبعث على الحيرة والارتباك حول دوافعها الحقيقية للزواج من "عزيز" والتى اختلفت وتناقضت فى أكثر من موضع ، وعلى لسان ذات الشخصية خاصة فى نهاية المسرحية ، فبعد أن أقنعتنا زبيدة تحت ضغط "عم وديع" بأن الدافع الحقيقى من وراء زواجها بعزيز باشا هو كسب الأمان النفسى والمادى أولاً وأخيرا ، فنجدها وقد تناست هذه الدوافع فى مواجهتها الأخيرة لعزيز ، بل وتنكرها فى ثبات وثقة نادرين .

"زبيدة : الحقيقة أنى أجوزتك مش عشان جاهك ولا مالك ولا سلطانك .. عمرى ما
طمعت فى ده ولا بصيت ليه ولا كان بالنسبة لى يعنى أى شيء (هازئة)
ولا أجوزتك طبعاً عشان رجولتك ." (84)

ومع ذلك تظل زبيدة وسط هذه الأحداث ضحية لظروف اجتماعية جائرة أعمت عينيها عن أهداف أسمى من تلك التى سعت وراءها أملاً فى تحقيق مكاسب شخصية .

ويشكل "خميس" (جرسون الصالة ) الضلع الثالث من أضلاع المثلث الإيجابى ، حيث يرفض أن يقف دوره على خدمة رواد الصالة من طبقة الإقطاعيين والملاك ، ونزع الضحكات من أفواههم بتقديمه للاسكتشات الفكاهية، ويبحث لنفسه عن دور أخر من أجل مقاومة العفن والزيف والفساد ، فنراه وقد أقتحم قصر العزيز لإنقاذ زبيدة من براثن الباشا.

"وديع : خميس بلاش تتهور .. أنت مش أد الناس دول .

خميس : قدهم وقدود .. وكلمة الحق لازم تبان .. هو صحيح يوسف أفندى
وجماعته ما خدونيش معاهم .. لكن أنا لو كانوا خدونى كانوا شافوا أنا
حعمل إيه ياللا يا زبيدة .. أنت ما كنش ليكى فى الهوا المعفن ده ."(85)

وتكتمل أضلاع المثلث الإيجابى بعم وديع الشاعر الشعبى الذى يكتب المونولوجات التى تغنى فى الصالة ، والذى تكفل بتربية "زبيدة " بعد مصرع والدها الذى كان صديقاً حميماً له، وهو يرفض أن يمدح بشعره الباشا والإنجليز ويفضل أن يموت جوعاً على أن يذل قلمه لخائن أو محتل ، وهو يلعب دوراً هاماً فى نهاية المسرحية كرمز للاستنارة وإيقاظ الوعى المجتمعى لتثويره ضد رموز الفساد .

"وديع : مين النهاردة يا أخوانا بيحاكم مين ، وألا هو الزمن يا أخوانا بقى
بالمقلوب .. مين اللى لازم يقف ورا القضبان الباشا .. عارف .. فهمى ..
الباشا اللى داس على ابنه ومراته والبلد بحالها .. ولا بتاع الكبدة اللى
أصبح فى غفلة من الزمان بيه بيتحكم فى العباد ، ولا فهمى الخدام اللى
أدوله فرصة يدوس على رقاب الناس ؟! ويتحكم فى مصير أطهر خلق الله
.. عايزنى أقول ؟ ما هو أنا مش قادر أقول .. ما هو أنا لو كنت قلت من
زمان كنت غيرت نظام الكون .. كان طلع مليون يوسف يطهروا الحياة
من كل الأثام .. ما هو أنا لو كنت أقدر أقول ماكنش يوسف وزبيدة
النهاردة بيتحاكموا واللى بيحكم عليهم حر طليق قاعد على كرسيه
مجعوص كأنه ملك الزمان ! لكن أنا مش قادر أقول .

خميس : لا يا عم وديع أنت قلت .. قلت كل حاجة .. والحق دلوقتى بان ." (86)

أما شخصية "يوسف " فتشكل نقطة التماس بين المثلثين المتناقضين ، فقد حاول يوسف تخطى واقع الحياة المفروض الملىء بشتى ألوان الفساد " ففى هذه المسرحية جعل "سرحان" " يوسف هو المنقذ لمصر من مستغليها ( الملك ـ الباشا ـ الإنجليز وأعوانهم ) كما كان سيدنا يوسف عليه السلام هو المنقذ لها قديماً من خطر المجاعة ، ولكنه فى هذا النص يخرج أيضا من الإطار التاريخى بصورة تجعله أكثر تعانقاً مع الواقع " (87) الذى يسعى إلى تغييره استناداً إلى مفاهيم الحرية والعدالة الاجتماعية ، وتحقيق المساواة بين البشر .

"عزيز : وكل الدوشة دى عشان إيه ؟

يوسف : عشان فى يوم من الأيام يتحقق الحلم .. تتحقق المعجزة على الأرض .

عزيز : (يصيح فيه ) المعجزة الوحيدة على الأرض أن الإنسان يصحى كل يوم
الصبح يلاقى نفسه لسه عايش لسه بيتنفس بيتحرك بيسمع بيشوف .

يوسف : الإنسان أتخلق لغاية أسمى بكتير من مجرد البقاء على قيد الحياة ..
أتخلق علشان يكون له رسالة .

عزيز : وآيه بقى الرسالة دى أقدر أعرف ؟

يوسف : إنه يحقق حلم البشرية فى العدل والحرية ." (88)

فقد آثر يوسف أن يدفع نفسه دفعاً للتخلص من تعنت طبقته المنتسب إليها بالتبنى ، للعودة إلى أصله والدفاع عن طبقته ، من خلال الدفاع عن وطنه ، حتى ولو تحقق ذلك على حساب من تبناه ورعاة ، فى صالح من تعاطف معهم . وبهذا يكون قد وصل إلى درجة من المثالية التى تصنع الوطن فوق كل اعتبار ، ولو كان قتل الأب ولا تخصى فى مواجهة الظلم شيء ولو كان الموت نفسه .

عزيز : أقعد بس .. أهدى .. (يشعل سيجارة ) عايز تموت ليه ؟ أفهم الأول .

يوسف : (بحماس ) عشان ده قدرى .. وأنا اللى اخترته اخترت الاستشهاد من أجل
فكرة .. هدف عظيم عشت وصمدت من أجله .

عزيز : الرصاصة دى مش كان ممكن تيجى فى أنا .. يعنى هدفك العظيم أنك تقتل
أبوك ؟

يوسف : مش أنت نفسك .. النظام اللى بتمثله .. اللى أنت جزء منه " ( 89)

ومنذ اللحظة التى اغتال فيها يوسف الكولونيل الإنجليزى تحول ـ شئنا أم أبينا ـ إلى مجرم إرهابى ينتمى وفقاً لنظرية ميرتون إلى نمط الانحراف المتمرد ، حيث يسعى البطل إلى خلق بيئة مناسبة لتحقيق أهدافه ، ولهذا يرفض الأهداف العامة للنظام ، ويرفض الوسائل التى يرتضيها المجتمع لتحقيق هذه الأهداف ، ويقوم البطل بمحاولة لتغيير الأسس الفكرية لمجتمعه، ويطرح أهدافاً ثقافية جديدة ، ويطرح أيضا مجموعة من الوسائل والمعايير الجديدة لتحقيق هذه الأهداف ، "فالبطل المتمرد يثور على فرضيات تبدو له باعتبارها نوعاً من التجديف العقلى ، وتعكس الخلل فى المنظومات الاجتماعية داخل المجتمع الذى ينتمى إليه ، والتغيير هذا له حيثياته استناداً إلى قناعات البطل ، وتصوراته الفكرية التى تقوم على منطق عقلى ناقد فى مواجهة فساد الحاكم وضلالاته التى تسعى إلى تكبيل حرية الإنسان وسلب إرادته " (90)

"زبيدة : خسارة أن اللى زيك يموت !

يوسف : لأ مش خسارة .. الخسارة أننا نسمح لكل الفساد والعفن يعيش وسطنا ..
نسمح للسرطان بأن يستشرى فى جسم البلد شوية شوية وإحنا نايمين ..
وفجأة نصحى نلاقى فات الأوان .. نلاقى البلد جسد شائه غريب أكل
خلاياه السرطان .. وما فيش قدامه غير انتظار الموت .. أنا بموت عشان
من جسدى تنبت شجرة الحياة ." (91)

ومن هنا تنطلق دوافع يوسف البعيدة تماماً عن الذاتية ، والمرتكزة على وعى حقيقى بهموم الواقع المعاش وسط الهبوط المشين لمنظومة القيم والمعايير فى ظل الفساد السياسى القائم .
وفى إطار تحليلنا لشخصية المجرم فى هذا النص يجب التمييز بين الإرهاب الفردى والإرهاب السياسى ، إذ ينطلق الأول من دوافع فردية وشخصية ، ويستغل وسيلة العنف للكسب الشخصى ، أو لتحقيق ثروة ، أو الانتقام ، أو الاستيلاء على السلطة ، وهو عمل إجرامى محض ، وهو ما يمثله "برهام" فى نص " أمير الحشاشين " للكاتب "محمد أبو العلا السلامونى "، بينما يرتكز الثانى على معطيات اجتماعية وسياسية ، ويرمى إلى بلوغ هدف سياسى يتعلق بحياة الجماعة أو المجتمع ، كما هو الحال فى شخصية "يوسف" فى نص " سمير سرحان " .
فالمجرم هنا يختلف عن غيره من المجرمين الإرهابيين من حيث أن حافزه على ارتكاب الجريمة يتضمن الشعور بواجب ارتكابها ، وهو يسلك هذا النحو وفقاً لنظام معين من القيم التى يؤمن بها والتى يعتبرها أعلى من القيم التى يتضمنها القانون الوضعى المطبق." (92)
ويحذر النص من الخلط بين الإرهاب من جهة والمقاومة الشرعية من جهة أخرى ، حيث يتجاهل الكثيرون الواقع الذى يحتم عليهم مراعاة الفروق الجوهرية بين الأعمال التى تشكل إرهاباً ، وبين نضال الشعوب فى سبيل الحرية والاستقلال ، فالإرهاب يمارسه أشخاص خارجون على القانون والشرعية ، بينما تتولى المقاومة المشروعة جماعات ومنظمات تدافع عن أراضيها وحقها فى الحرية وتقرير مصيرها ، " وهو حق مشروع ومقبول فى كافة أحكام ومبادئ القانون الدولى ، باعتبار أن مبدأ حق الشعوب فى مقاومة الاحتلال من أجل التحرر يشكل أحد الأهداف الرئيسية للأمم المتحدة ." (93)

"زبيدة : لكن أنت حتفضل .. زى العسكرى الإنجليزى بالضبط .

يوسف : أنا مش بقتل .. أنا بنفذ حكم الإعدام فى أعداء البلد .. الإنجليزى اللى قتل
أبوكى كانت قضيته إيه ؟ أنا بقتل عشان قضية ." (94)

فالنص يشير إلى أحد المعايير الموضوعية واضحة المعالم للتمييز بين الإرهاب والمقاومة المشروعة ، باعتبار الدافع الوطنى الذى تعمل فى سياقه حركات التحرير الوطنية كمعيار للتمييز بينهما فأفراد المقاومة يحملون قضية مفادها تخليص أراضيهم من براثن الاحتلال ، بينما يمارس العدو العنف غير المبرر فيقتل الأبرياء ، ويقاتل فى أرض ليست له ويطمح فى السيطرة عليها واحتلالها ، ويختلف الأمر فى عمليات الاغتيال الداخلية للقيادات الحاكمة والمسئولة داخل الدولة ، والتى تعتبر من وجهة نظر بعض الجماعات ذات توجهات جائرة وفاسدة ، لذا تصدر الأوامر لتصفيتها ، والتخلص منها ، كما حدث فى عملية اغتيال السادات ، فلا شك فى أن مثل هذا النوع من الاغتيالات مُجرّم قانوناً وغير مشروع ، خاصة فى ظل وجود العديد من القنوات الشرعية التى تتيح المجال لإمكانية التغيير والإصلاح كما يحمل النص إشارة ضمنية إلى أن ظاهرة العنف والإرهاب قديمة فى المجتمع المصرى وهى ليست بالحديثة ، ولكن فى الماضى كانت معظم أعمال العنف موجهة قوات الاحتلال الخارجى، والمستعمر البغيض الذى كان يحاول جاهداً ممارسة كافة أنواع الفساد والهيمنة والتنكيل بالمواطنين ، ولهذا كانت ممارساته تواجه بالعنف كرد فعل طبيعى ، ومن أجل هدف وطنى قومى ، على العكس تماما عما يحدث على الساحة فى السنوات الأخيرة من خلط وتزييف لكافة الأمور والحقائق .
وتأتى النهاية مغايرة لتطور أحداث المسرحية ، وتصاعد درجات الوعى لدى أبطالها ، حيث أن الانتصار الزائف الذى حققه الباشا على حساب تسخيف وتهميش كل قيم البطولة والمثالية والبراءة وتحويلها إلى صالح ألاعيبه القذرة ، قد تسبب فى انسحاق يوسف ، وشعوره بأنه قد بلغ النهاية التى لا يستحقها ، والتى ساقه إليها فساد مجتمع لا يقيم وزناً للقيم والمعايير ، حيث أنكر الباشا عليه أن يموت فى سبيل قضية وطنية ، فلوث كيانه وشرفه أمام رفاق المقاومة ، وسلبه لحظة البطولة . وعندما رفض أن يخون الباشا فى عرضه ، وصمد أما إغواء زوجته سلبه لحظة الطهر والنقاء ، "ومن هنا شعر يوسف بأنه قد قضى علية معنوياً ، ولم يبقى له إلا أن ينتهى جسدياً ، ولكن يوسف أصبح أعجز من أن يقوم بهذا فيسلم مسدسه لعم وديع عساه يقوم بهذه المهمة ." (95)

"يوسف : ما بقاش فى غير حل واحد يا عم وديع .

وديع : (يطرق رأسه ) أنا عارف !

يوسف : تجرؤ يا عم وديع ؟ تجرؤ ! أنا مش جايالى الشجاعة .
(يوسف يخرج المسدس ـ يعطيه لوديع )

زبيدة : يا ربى .. دا شيء فظيع .. فظيع !

يوسف : يا للا يا عم وديع .. أنت جواك بطل ." (96)

وتنطلق رصاصة عم وديع ليتحول معها "يوسف " من بطل ثائر متمرد إلى شخصية انسحابية هروبية،" فهو قد فشل فى تحقيق أهدافه سواء بطرق مشروعه أو غير مشروعة، ومن ثم قد أشتبك فى صراع نفسى لا يفضى ـ من وجهة نظره ـ إلا بالتخلى عن الوسائل والأهداف معاً ، والانعزال عن المشاركة فى الواقع الاجتماعى لرفضه لقيم النسق السائدة."(97)
فقد عايش " يوسف " حالة من حالات الهروبية نتيجة إحساسه المتزايد بالإحباط ، دفعته إلى التفكير فى الانتحار .
وإذا كانت هذه النهاية لا تتفق مع الشريعة الإسلامية التى تحرم قتل النفس إلا بالحق، ولا تتفق مع قيم البطولة والوطنية التى كانت مسئولة عن تحفيز "يوسف" للفعل والمبادرة ، كما لا تتفق مع ملامح شخصيته التى تتسم بالصلابة والثبات والشجاعة إلا أنها كانت بمثابة طلقه تحذيرية للفت الانتباه إلى خطورة انسحاق قيم المثالية والوطنية أمام طغيان الفساد والانحلال الخلقى والسياسى . والدعوة إلى رفض واستنكار النظم الجائرة السائدة من خلال تعريتها وفضحها ، وإطلاق دعاوى التثوير ضدها، لذا فنحن نقبلها كفكرة درامية ولا نقبلها كحل واقعى.

ابراهيم حجاج
مدرس مساعد
كلية الآداب