السبت، 11 أغسطس 2012

مسرحية "ماما أمريكا" بين التبعية الأمريكية والتثوير العربى.


د/ابراهيم حجاج مدرس بكلية الآداب .... قسم الدراسات المسرحية.

انطلق الكاتب "مهدى يوسف" فى نصه "ماما أمريكا" من ثيمة إنسانية متكررة، وهى ثيمة الحرية، ثم جسدها تجسيدًا دراميًا، ليسجل احتجاجًا صارخًا على معاناة وطننا العربى فى ظل الواقع السياسى الراهن فى إطار كوميدى ساخر وإسقاطات سياسية لاذعة.
وسيتناول الباحث هذا النص انطلاقًا من إجراءات البنيوية التوليدية واستلهامًا من نزوعها المنهجى، وإطارها النظرى لإدراك التماثل بين الأبنية الفنية والأبنية الاجتماعية، مرتكزا على النقاط الآتية:
1-     البنية الدلالية الكلية.
2-     عملية الفهم.
3-     عملية التفسير.
4-     رؤية العالم.
5-      الوعى الفعلى والوعى الممكن.
وسيبدأ الباحث بتحليل الأبنية الداخلية للنص (عملية الفهم)، فيدرس مجتمع النص (بنية الحدث ـ بنية المكان والزمان ـ بنية الشخصيات ـ بنية الحوار)، بهدف وصف البنية المتأصلة فى النص المدروس، والتفاعل القائم بين جزيئاته للوصول إلى البنية الكلية لهذا العمل الأدبى.
1- بنية الحدث
الحرية هى أسمى ما التصق بالإنسان من مبادئ منذ أن خلقنا الله سبحانه، وهى الزهرة التى تزين الديمقراطية، فمنذ أن عرفت البشرية النظام الديمقراطى، والحرية تحتل مكانا بارزًا فى مجموعة القيم والمبادئ، التى يتميز بها هذا النظام عن غيره من النظم والقواعد الدولية. ومنذ حصلت الولايات المتحدة على استقلالها، والحرية تمثل ركنًا أساسيًا فى دستورها، وفى إيمان الشعب الأمريكى بها، إلى حد أن التصق عالمها بالحرية وأصبح يطلق عليها "العالم الحر".
وكان من الواضح أن تسمية أمريكا بالعالم الحر فيه مغالطة كبيرة "ففى الوقت الذى كانت الدعاية الأمريكية تردد فيه هذا الادعاء، كان "ماكارثى" فى أمريكا يحاكم أى نشاط معارض للحكومة بتهمة النشاط المعادى للمصلحة القومية الأمريكية، ويصفه أيضًا بالشيوعية، وكانت وسائل الإعلام الأمريكية تمارس نشاطها المعهود فى غسيل مخ الأمريكيين، وتفقدهم بالتدريج عادة التفكير الحر والنقد لأى شئ فى النظام الرأسمالى." ([1])
وقد تناول الكاتب "مهدى يوسف"، ثيمة الحرية من خلال، علاقة أمريكا بدول العالم العربى، ليوضح مساحة الحرية التى منحتها الولايات المتحدة الأمريكية -بوصفها الإمبراطورية المهيمنة على العالم فى الوقت الراهن- للعرب فى ضوء علاقتها السياسية بالمنطقة العربية، وإلى أى مدى نجحت أمريكا فى إعلاء شأن الحرية وتدعيمها فى المحيط العربى؟.
اعتمد النص على البناء التراكمى فى صورة لوحات متعاقبة بترتيب سير الأحداث، حيث تتكون المسرحية من فصلين، الأول ينقسم إلى أربعة مشاهد، بينما يحتوى الثانى على ستة مشاهد. وبالرغم من تعدد المشاهد امتاز النص بطبيعة الحدث الأساسي الذى تنبثق عنه الأحداث التالية له، ويستدعيها على وجه الضرورة أو الرجحان.
فالحدث الرئيسى فى المسرحية، هو وفاة الأب "شحاتة" كبير عائلة "منافع" تاركًا وصية لأولاده الستة (عايش، علام، عذاب، عاشور، عبود، عفاف)، وكان وقع المفاجأة قويًا على الجميع، عندما علموا من، المحامى الموكل بفتح الوصية، أن والدهم الفقير المعدم، قد ترك لهم ثروة ضخمة تقدر بثلاثمائة فدان.
"مأمون:  التلتميت فدان دول يا أخ عايش هايتقسموا عليكوا كلكم كاللآتى
الأخوة:  (يفرحون ويهللون).
مأمون:  أربعين فدان لأبنى البكرى المتيسر عبود.
عبود:    الله يرحمك يا دادى الفتحة (يقرأون الفاتحة)
مأمون:  أما ابنى علام سبعين فدان.
علام:    سبعين يدخلونى أداب عين شمس.
عايش:   حلو قوى.. الله يرحمك يابا.. حلو أربعين وسبعين ميت فل وعشرة.. ها.
مأمون:  أما ابنتى الوحيدة عفاف سبعين فدان.
عفاف:   سبعين بس.. الرأى رأيك يا حنين..الله يرحمك بقى يابا.
عايش:   كدة مية وتمانين طاروا.. ها.
مأمون:  وستين فدان لولدى عاشور.
عايش:   اعدل ميزانك يا بتاع البرتقان....
مأمون:  أما الستين فدان الباقية..... لولدى الذى لا يمكن أن أنساه.....ولدى عذاب"([2])
وتثور ثائرة "عايش"، بعد أن خرج من تقسيم التركة خالى الوفاض ويحاول المحامى تهدئته، ويخبره بأن والده كان يعتبره درة إخوته وأكثرهم احتياجًا، لذا ترك له وصية منفردة، حيث خصص له أرضًا تقدر بمائتى فدان فى الجهة البحرية من أرضهم، على أن يكون لهم حق استغلال الأرض فحسب، ولعايش حق البيع والتصرف، ومن هنا يحدث الصدام بين "عايش" وأخوته، ويصل إلى درجة التطاول على الأب المتوفى والتشكيك فى قواه العقلية.
وتعلو نغمة التطور الدرامى، لينتقل من المفاجأة إلى الصدمة التى وصلت ذروتها بإعلان المحامى أن هذه الأرض قد تم الاستيلاء عليها من قبل عائلة "الشفاط"، وأن أخاهم "عايش"، هو المنوط به استرداد حقه وحقوق إخوته من براثن المغتصب.
" مأمون: (مواصلا القراءة) ولكن أجدادكم كانوا يمتلكون ثروات وكنوز وخيرات نهبتها عائلة الشفاط... وعائلة الشفاط هى عدوكم اللدود على مر السنين... وعليك أنت يا عايش أن تتصدى لعائلة الشفاط لاسترجاع أرضكم العزيزة إلى قلبى، ومقابل أتعابك فى قضية استرجاع حقك وحق أخوتك تركت لك ملكية هذا الدار باسمك وحدك يا عايش"([3])
ويتنازع الأشقاء من جديد، بسبب الدار التى وهبها والدهم، "لعايش" دون غيره، ويعلن كل منهم أحقيته فى امتلاكها. وهنا يخرج المحامى مهرولا فى خوف، تاركًا لعايش مهمة تكملة قراءة الوصية، ليفجر آخر مفاجآتها.
"عايش:  (يكمل القراءة) أما العربية الأجرة التى تعمل عليها يا عايش فأتركها لكم جميعا ترتزقون منها ومن إيرادها عليك يا عايش أن تسدد رهنية هذا الدار أربعين ألف جنيه." ([4])
ذلك هو الحدث الرئيسى الذى نسجت حوله باقى أحداث المسرحية، بعده يدب الخلاف بين الأشقاء الستة، ويتفق الجميع على بيع (العربية) القديمة، الشئ الوحيد الذى يربط بينهم، وتأتى سيدة الأعمال الأمريكية "أميرة كامل"، التى تهوى اقتناء كل ما هو قديم بصحبة مدير أعمالها "شومان" لشراء تلك السيارة، ولكن الحظ العاثر يعاند عائلة "منافع"، حيث تحترق السيارة قبيل وصولهما، وبالتالى تفشل الصفقة، وترفض "أميرة" بالطبع شراء السيارة المحترقة، ولكنها ـ فى الوقت ذاته ـ ترثى لحال "عايش"، وتتعاطف معه، فتعرض عليه تسديد قيمة رهن المنزل، فى مقابل استئجاره لمدة سنتين أو ثلاث، لجعله مقرًا لفرع مؤسسة "حماية حقوق الحمير" الأمريكية، التى ترأسها. وبالرغم من روح الكوميديا التى تسيطر على المواقف، لم يخل الحدث من إثارة ذهن المتلقى للتفكير فيه، وكان "عايش" خير عونٍ له فى ذلك، بانتقاداته الساخرة وأسئلته الاستنكارية التى يوضحها الحوار الآتى:
"عايش:  مؤسسة أمريكية؟ جمعية حماية حقوق الحمير؟ الحمير الحمير؟ ولا الناس اللى زى الحمير؟
أميرة:   أنا مش فاهمة أنت مستغرب ليه؟
عايش:   مستغرب ليه؟ هما الأمريكان خلاص إدوا الناس حقوقها وبيرمحوا ورا حقوق الحمير؟ هى الحمير لها حقوق يا ناس؟"([5])
 ومن خلال الأحداث، نكتشف طبيعة العلاقة التى تجمع بين "أميرة" و"شومان"، مما سيكون له الأثر فى دفع الحدث الدرامى إلى آفاق أكثر اتساعًا ورحابة.
"أميرة:   شومان....شومان
شومان:  جرى إيه با أميرة.... أنت عاوزة تودينى فى داهية أنا هنا مش شومان
أميرة:   خايف ليه... ما هو مش سامعنا؟
شومان:  ده واحد... لسة اخواته الخمسة ماجوش.... ولو عرفوا إن إحنا من عيلة الشفاط حايدفنونا هنا بالحيا... ودول همج.
أميرة:   جرى إيه يا شومان... وإيه اللى حايعرفهم إننا من عيلة الشفاط وبعدين حاتخاف من شوية عيال جرابيع زى دول... أنا أميرة كامل الشفاط"([6]).
ويكون وقع الصدمة على "عايش" شديدًا عندما يكتشف حقيقة "أميرة كامل"، لحظة توقيع عقد الإيجار، وتحاول إقناعه بأنها، وإن كانت تنتمى إلى عائلة "الشفاط" إلا أنها تختلف عنهم؛ فقد حملت على عاتقها إصلاح ما أفسدته عائلتها، وما ارتكبته من جرائم، فى حق عائلة "منافع".
"عايش:  لو حطيت إيدى فى إيد أميرة كامل علشان أعيش إخواتى ح يعايرونى... ولو رفضت إيدها أو مساعدتها ح أموت م الجوع وإخواتى يذلونى... أحل اللغز إزاى؟ أحله إزاى... إزاى"؟([7])
ويبدأ الفصل الثانى وقد تكشفت أطراف الصراع، الذى ستنسج خيوط أحداثه، بين عائلة "عايش شحاتة منافع" وعائلة "أميرة كامل الشفاط".
ويعتقد "عايش" أن التحالف مع أبناء عائلة الشفاط، سوف يعيد إليهم حقوقهم المسلوبة، لذا يوافق على تأجير البيت، والأكثر من ذلك يوافق على تعيينه مديرًا لفرع المؤسسة الجديد، مما يثير حفيظة أخوته.
"عايش:  فجأة اخترقت جبهتهم... عملت عليهم السيناريو المحكم، أجبرتهم وأحرجتهم لحد ما عينونى مدير للجمعية.
علام:    تبقى بعت القضية... وبعت عيلة منافع بثمن رخيص.
عايش:   بلاش الكلام الكبير ده... أنا عملت كده بالذات علشان أخش فى زوارقهم... وأرجع كل اللى أتنهب من عيلة منافع." ([8])
ويفشل الطرفان (الشفاط ـ منافع) فى الوصول إلى حلول ودية، بشأن الأرض المسلوبة، مما يدفع بالأشقاء إلى اللجوء إلى القضاء، ورفع دعوى بنفى الملكية، والادعاء بالتزوير للحصول على حقهم المغتصب. وينصف القضاء العادل عائلة "منافع"، ويحكم بعودة الأرض (المائتى فدان) لصاحبها الحقيقى "عايش شحاتة"، مما يثير حالة من الغضب والاستياء فى نفس "شومان"، و"أميرة"، وتدير الأخيرة باحتراف مقنن ومدروس خطة للإيقاع بعايش بوصفه أكثر أخوته اهتمامًا بالقضية، فتعرض عليه الزواج، بل وتذلل أمامه كافة العقبات التى تحول دون ارتباطهما.
"أميرة:   لقيت الحل... عارف إيه الحل يا عايش... قوم يا عايش... أنا حاكتبلك نص ثروتى علشان تقرب المسافة بينا... فهمت يا عايش؟
عايش:   أفهم إيه أنت أكيد اتجننتى... عاوزة تكتبيلى نص ثروتك قصاد إيه؟... قصاد البيت ده والميتين فدان؟
أميرة :  إيه يا عايش... ما أنت حتبقى جوزى... أنا حسجلك عقد البيع وتعملى توكيل فى الشهر العقارى بالتصرف فى أملاكك علشان إخواتك ما يورثوكش.
عايش: المهم حنتجوز أمتى؟."([9])
ويقرر "عايش" الزواج من "أميرة كامل"، وهى بدورها تقرر السيطرة التامة والدائمة، لا على ممتلكاته فحسب، بل على عقله أيضًا، وتكتمل خطوط مؤمراتها، بالاتفاق مع "شومان"، لإعطائه عقاقير تمحو قدراته العقلية والجسدية بوصفها منشطات لتقوية قدراته الجنسية، وذلك تمهيدا لاستلاب العائلة، أملاكها وأفرادها.
"شومان: أنا خايف يتحكم فيكى.
أميرة:   مش حيلحق... لأنى هديله حقن الـ H.H الأمريكانى
شومان:  الـH.H اللى بنديها للحمير علشان نزود قدراتها؟
أميرة:   من الأبحاث السرية للمؤسسة فى أمريكا أنهم جربوها أكثر من مرة على إنسان وجابت نتيجة عكسية.
شومان:  ودى حتعمله إيه؟
أميرة:   بيحصله تغيرات.. صوته بيتغير ويفقد السيطرة على أطرافه والأهم بتمسح خلايا المخ تماما وتخليه زى الطفل." ([10])
ويكتشف "عايش" ـ بالصدفة ـ تفاصيل المؤامرة، ويقرر مواجهة الخداع بالخداع، فيتصنع الجنون، ويبدأ فى التحرك بصورة هيستيرية كالحمار، يملأ المكان ذهابًا وجيئا، إلى أن يركع على قدميه باكيًا مع دخول "أميرة كامل"، التى تخبره بأن المؤسسة قد اختارته كضيف شرف للمؤتمر السنوى العالمى الذى سيعقد فى أمريكا، وتطلب منه مقابلة موظف الشهر العقارى ـ قبل سفره ـ وذلك للتوقيع على توكيل، يحق لها بموجبه، التصرف فى كل ممتلكاته ويتقمص "عايش" -أمام موظف الشهر العقارى- شخصية طفل رضيع، ويبدأ يلهو ويعبث بكل ما حوله، إلى أن يمزق ورق سجل التوكيلات، مما يثير غضب الموظف، ويدفعه إلى الانصراف دون تكملة الإجراءات.
"شومان:        كده... كده يا كلب ... مش قلنالك انكتم (يضربه على يده كالأطفال) وبعدين حنعمل حكاية التوكيل ده ازاى؟
أميرة:   مش مهم... احنا نقدر دلوقت بعد اللى هو فيه ناخد البيت والأرض والمية.
عايش:   أمبو ماما ما... أمبو.
شومان:  ده غير اللى حتدفعه المؤسسة. لما نقدم لها حالة زى دى.
أميرة:   بس ده لازم يفضل فى البيت لحد ما ناخده ونسافر أمريكا." ([11])
هنا يقتحم أشقاء "عايش" المشهد فى هلع وثورة، بعد معرفتهم بحقيقة المؤامرة التى تم تدبيرها لتدمير شقيقهم واستلاب عقله، مطالبين "أميرة" بتسليمه إليهم، وتبوء محاولتهم بالفشل، بعد تدخل الحرس الخاص بٍأميرة كامل، واجبارهم على الرحيل. وفى تلك الأثناء يدخل "عايش"، وهو يحبو على ركبتيه، متجها نحو "أميرة كامل" صائحا فى بكاء.
"عايش:  ماما ماما.
أميرة:   ماما أميرة كامل.
عايش:   ماما أميرة كا... أميرة كا... أميرة كا." ([12])
ويأتى المشهد الختامى للمسرحية أمام تمثال الحرية فى أمريكا حيث تتم عملية المكاشفة بين "عايش" و "أميرة"، فهناك يواجهها عايش بالحقيقة، وبعلمه بتفاصيل المؤامرة التى دبرتها ضده، بالتعاون مع "شومان"، ويعلن فضه للرباط الذى يقيده بها، فيطلقها ثلاثًا، مشيرًا باصبعه مؤكدًا يمينه، وهنا يحدث دوى انفجار قوى يتحطم على أثره تمثال الحرية ويتناثر حطامه، بينما يقف "عايش" مبهوتا، كما لو كان لا يصدق ويموج المسرح بحركة هرج ومرج، وتدخل قوات أمن أمريكية وتحاصر "عايش"، الذى قد أصبح وحيدًا بعد فرار "أميرة" و "شومان"، ويتجمع عدد كبير من الشباب والفتيات الأمريكان، بينهم فتاة عربية، وبعد تفحص أوراقه والتأكد من هويته (عربى ـ مصرى) يتم القبض عليه بتهمة الارهاب، وتحاول الفتاة العربية الدفاع عنه دون جدوى، وهنا يفيض الكيل بعايش، ويفجر ما بداخله من ظلم ومعاناة.

"عايش:  لأ مشى حاجى معاكوا... لازم تقولولى الأول جريمتى إيه؟ اتكلموا يا بتوع حقوق الإنسان... طب حقوق الحمير حتى.... هى إيه الحكاية؟ هو أنا يا عقلى يتمسح ياتطلعونى فى الآخر ارهابى... لا حاتكلم... حاتكلم عن بلاويكوا السودة فى العالم كله... حاأتكلم وأقول أنتوا إيه؟ حاأقول أنتوا إيه؟"([13])
ويوجه "عايش" نداء إلى كل عواصم العالم لتنتبه إلى هذا النظام العالمى الجديد الذى وضع لتدمير المنطقة العربية، ويختتم نداءه بدعوة حب تجمع الإنسانية كلها.
ومن الوصف السابق لبنية الحدث الدرامى فى مسرحية "ماما أمريكا"، يتضح اعتمادها على ثنائية "التابع والمتبوع"، وهى ثنائية رئيسية تدور فى فلكها ثنائيات عديدة مثل (الفقر والغنى) و (الاستلاب والاسترداد) و (التغييب واليقظة) و (الضعف والقوة). هذا بالإضافة إلى ارتكازها على الكوميديا النابعة من المواقف والشخصيات، حيث ساعدت السخرية الحادة ـ فى بعض الأحيان ـ على تكثيف الموقف وإطلاق أقصى طاقات التعبير عنه، "كمشهد إعلان الوصية، حيث قام المحامى بإعلان ما جاء فيها تدريجيًا مفجرًا المفاجآت التى تدعو إلى الضحك."، ([14]) ومشهد تأجير البيت لجعله مقرًا لمؤسسة حماية حقوق الحمير. إلى جانب المواقف المعتمدة على سوء التفاهم مثل مشهد تعرف "أميرة كامل" على "عايش شحاتة" واندهاشها من الاسم الذى استقبلته فى البداية على أنه وصف للحالة المعيشية التى يحياها.
"أميرة:   قولى... إسمك إيه؟
عايش:   أنا عايش شحاتة.
أميرة:   طيب... إسمك إيه؟
عايش:   دى فلة بقى ولا إيه... أنا عايش شحاتة.
أميرة:   خلاص عرفت... إسمك إيه بقى؟
عايش:   لا إله إلا الله... أنا عايش شحاتة... والله أنا عايش شحاتة وكتاب الله أنا عايش شحاتة.
أميرة:   ما أنا فاهمة أنت عاطل يعنى.
عايش:   لا أنا مش عايش شحاتة... بس أنا عايش شحاتة." ([15])
أما النوع الآخر من روح الكوميديا الذى يتسلل إلى جسم المسرحية، فينهض على الشخصية نفسها، خاصة شخصية البطل "عايش"، عندما يحاكى "الحمار" أمام "أميرة كامل"، و "الطفل الرضيع" أمام موظف الشهر العقارى، بجانب تلاعبه بالألفاظ، واستخدام اللفظ الواحد بأكثر من معنى.
"عايش: الفاتحة
الأخوان: بسم الله الرحمن الرحيم (ويقرأون الفاتحة).....
عايش:   (مصححا) الفاتحة.... الفاتحة بتاعة الوصية بتاخد فيها كام يا أستاذ؟"([16])
كما تضمن البناء الدرامى بعض الملامح التغريبية مثل تقسيم المسرحية إلى مشاهد والخطاب المباشر إلى الجمهور فى نهاية النص، إلى جانب توظيف الأغانى بقصد توصيل الحالة الوجدانية للموقف الدرامى، أو تلخيص معناه، ومثال ذلك الأغنية التى أعقبت قراءة الوصية.
"عايش: عينى ع الحق المديون


سيدى على البيت المرهون.

دى حقوقنا اللى ورثناها


دى ديون مديونة بديون.

الصوت: مكتوب عليك يا عايش


تشيل إنت الوصية.

وعشان تعيش يا عايش


خد بالك من القضية.

لخواتك من أيديك


شيلهم فى حبابى عينك.

عايش: دنا عايز حد يشيلنى


أنا عايز اللى يعنى." ([17])

"كما ساهمت الأغنية فى نهاية المسرحية فى لعبة التحريض والرفض"([18])، وتقديم المقولة الأساسية للنص بعد اكتشاف "عايش" للحقيقة وسقوط الأقنعة عن "أميرة كامل" و"شومان".

"عايش: يا كل فرد فى كل ملة


وكل جنس وكل دين.

يا كل فرد فى كل حتة


ويا فرد فرد فى أى حتة.

مافيش ضعيف


مافيش قوى.

مافيش فقير


ومافيش غنى

مافيش أبيض ولا أسود


مرفوضة العنصرية

الفتاة العربية: الله عليها خطوتك


وجنب منها خطوتى

عايش: الله عليها سكتتك


لما تقابل سكتتى

عايش والفتاة:نفرح سوى


نبنى سوا

نقسم سوى


نسمة هوا"([19])

وقد جاء البناء الدرامى كنسيج متماسك ومتشابك من الأحداث التى تكشف ببراعة عن العلاقة بين الاختلاف بين الأشقاء الذى أدى إلى نهب ثرواتهم، واتفاقهم وتوحدهم فى النهاية، الذى أدى إلى استعادة قدرتهم على المواجهة.
2- بنية المكان والزمان:
يعتبر المكان، أحد الوسائل التى تحمل مضمون النص المسرحى، وهو جزء من نظرية تفاعل المتلقى مع النص. وقد استخدم الكاتب فى نص "ماما أمريكا" انتقالات سريعة للمكان من منزل "عايش" إلى الجمعية الأمريكية لحماية حقوق الحمير، إلى غرفة نوم "أميرة كامل"، إلى ساحة تمثال الحرية بنيويورك.
تبدأ المسرحية بمنزل عائلة "عايش"، وهو عبارة عن "أحد القصور القديمة المتهالكة، فى ضاحية من ضواحى المدينة، بهو قصر وجدران بالغة القدم، يحيط به ست غرف بستة أبواب أثرية مختلفة الطراز، ولكنها متشابهة بملمح عربى قديم، ويوجد فى المؤخرة باب حمام مشترك للغرف الست، إلى اليمين يوجد مدخل البهو المؤدى إلى الخارج (خارج القصر)، وفتحة المسرح تمثل الحائط الرابع للبهو الصغير، الذى نرى به بعض الأثاث من كنبة شرقية، ومرآة كبيرة لها إطار عربى من الخشب المشغول، وهناك أيضًا قاعدة خشبية قليلة الارتفاع، عليها صينية نحاس مشغولة بالحفر، مستديرة فى شكل طبلية، وعدد ست ديوانية من الجلد كمجلس، وفرشة أرضية من قصاقيص القماش الملون الموصول فى شكل سجادة، يوجد فى المؤخرة منضدة متهالكة بجوار أحد الحوائط بين بابى غرفتين، وتوجد ساعة حائط لا تعمل، عليها آثار تراب، وعقاربها ثابتة عند الثانية عشر، ونتيجة حائط ورقية يبدو عليها القدم." ([20])
وبذلك يحتمل "البيت" دلالة مزدوجة، واقعية كبيت عادى لمواطن ما، ورمزية بما يشير إليه من دلالات مكونة فى النهاية فكرة البيئة العربية، على اختلاف أنماطها. وإلى جانب تصور المكان فى النص باعتباره حاملا لمعنى ولحقيقة أبعد من حقيقته الملموسة، فثمة علامات مادية تعمق دلالات معينة، وتؤكدها، منها ساعة الحائط بعقاربها الثابتة عند الثانية عشر، ونتيجة الحائط الورقية القديمة، وما تحملاه من دلالة تخلف أصحاب البيت عن مسايرة الحاضر، ووقوفهم عند حدود الماضى.
       فى الفصل الثانى يكتسب المكان دلالة جديدة، "وقد طمست فيه الملامح الشرقية، ولم يبق منها إلا القليل، وأصبح المكان مقرًا لجمعية حماية حقوق الحمير، مما استوجب وضع بعض اللوحات على شكل هيكل عظمى للحمار، ذو جمجمة، والمكان أصبح يتسم باللمسات العصرية الغربية الفجة، وقد يحدث بعض التغيرات المعمارية للتلائم مع الأحداث الجديدة، والأثاث قد تحول إلى أثاث عصرى." ([21]) وبتلك التحديدات المكانية السابقة - بمقارنتها بالفصل الأول – يمكننا أن نرصد ثنائية (المكان/ المكان المضاد)، بحيث تشكل تلك المفارقة المكانية إحدى الدلالات الرئيسية فى النص، وهى دلالة التبعية القائمة على طمس الهوية. وينتقل المكان فى المشهد الثامن إلى "حجرة النوم الرئيسية فى قصر "أميرة"، حجرة كبيرة وفخمة، بها سرير مستدير حوله ست (بوفات)، وهناك أيضا تسريحة ومنضدتان، وأباجورات تستخدم كمصادر للإضاءة وهناك باب حمام داخلى والباب الرئيس للحجرة، كما يوجد ثلاث عدد تليفون ملونة وماكينة فاكس، وتليكس وكمبيوتر وشاشة تليفزيون".([22]) وبهذا الوصف، يحمل المكان صفات يخرج بها عن طبيعته المنطقية كمكان للنوم والراحة، فى دلالة على قيمة الكد والعمل المناقضة لحالة السكون والاسترخاء فى منزل عائلة "عايش". وفى المشهد الأخير ينتقل المكان إلى "ساحة تمثال الحرية فى نيويورك حيث هو قائم مجسد على خشبة المسرح فى حجم كبير فى المؤخرة".([23]) ويكتسب المكان دلالته فى هذا المشهد عند حدوث الانفجار وتناثر أجزائه، فى دلالة على هشاشة الحرية فى أمريكا.
وبذلك استطاع الكاتب من خلال المكان، تقديم دلالات متسعة ومتنوعة تخدم رؤيته الفكرية.
كما يصف الشاعر زمن المسرحية تبعا لأبعاده الواقعية، ابتداء من الإطار العام (الوقت الحاضر)([24])، وحتى التنويعات الداخلة ضمن تركيب الحدث والسياق، فيبدأ النص وقت الغروب، بما يناسب الحالة النفسية لأفراد عائلة "عايش" فى ظل الوضع المتردى الذى تعيشه، والبيت المتهالك الذى تقطنه هذه العائلة. ثم يتوزع الزمن بعد ذلك تباعًا بين مطلع الفجر وبداية النهار.
كما يوظف الكاتب الإضاءة بشكل تعبيرى فعال للدلالة على ثنائية القوة والضعف، فيستخدم الإضاءة الخافتة التى تعطى الإحساس بالظلام، فى مشهد بيت "عايش"، حيث يظهر كالأطلال المهدمة، بينما يستخدم الإضاءة القوية المبهرة فى مشهد حجرة نوم "أميرة كامل".
3- بنية الشخصيات:
الشخصية من العناصر الأساسية فى النص الدرامى، "وتكمن أهميتها فى كونها محرك الحدث ومحوره، وعلى أساسها تعمل الحبكة، وهى الناطق الوحيد بعقل ولسان الكاتب، ومن خلالها يعرض مجمل أفكاره داخل صراع درامى"([25]) يزخر بالحركة والإيقاع المتدفق.
وتشكل الشخصيات فى نص "ماما أمريكا" ثنائية درامية هى (التابع والمتبوع)، (الفقير والغنى)، (الضعيف والقوى)، ومن التناقض بين طرفى الثنائية يتولد الصراع الدرامى بين عائلة "عايش"، وعائلة "أميرة كامل الشفاط".
"وتمثل شخصيات عائلة "عايش" حالة التفسخ الاجتماعى والتطاحن بين الأخوة، فمثلا الأخ الأكبر "عبود"، نموذج الغنى الأنانى، الذى يتاجر فى كل شئ، وأى شئ، ويرمى لإخوته ما تبقى منه من الفتات، بل ويطمع فى ميراث الأب، ويسرق حق أخيه "عاشور" الذى يعمل معه كأجير فى أحد مصانعه، والذى يمثل القوة الفاقدة للعقل والتدبر، والأخ الأصغر "عذاب"، السلبى الذى يتاجر بمرضه الوهمى، من أجل كسب عطف الآخرين، وابتزازهم ماليًا، والأخ المثقف "علام"، مدرس التاريخ الغائب عن الوعى بفعل تعاطى المخدرات، والذى لا يتحدث إلا عن الأندلس والمجد العربى الماضى والغائب، ثم الأخت الوحيدة "عفاف"، التى فشلت فى كل تجاربها، الحياتية والعاطفية، وتعيش معلقة- فى انتظار ما تسفر عنه قضية طلاقها-  فى منزل العائلة، الذى يحوى كل هذه الأنماط المتناقضة، بما فيهم "عايش" الذى يرعى إخوته، ويحمل همومهم إلى جانب رعايته لأولاد زوجته المتوفاة (من زوج آخر). وتصل الخلافات بين "عايش" وأخوته، إلى حد اتفاقهم – مثلا – على ألا يتزاوروا حتى لا يختلفوا.
"عبود:   أول هام.. الفلوس والسلف لما بيخشوا بينا بيحصل خلافات.
عايش:   خلاص مافيش حد فينا يسلف التانى.. المهم نفضل إخوات.
عاشور:  تانى هام.. إحنا لما بنشتغل مع بعض ونتشارك فى مشروع بيحصل بينا فرقة وخناقات.
عايش:   خلاص مافيش بينا شغل.. المهم نفضل إخوات.
علام:    تالت هام.. لما بتنافس فى شئ يهمنا أو ما يهمناش، كل واحد فينا عاوز يمشى رأيه على التانى فبتتربى فى نفوسنا عداوات.
عايش:   ماشى مافيش بينا مناقشات.. المهم نفضل إخوات.
عذاب:   رابع هام.. لما حد فينا بيتخانق مع أخوه.. لو حد فينا إدخل بينهم بيشعللها أكتر.. ويبقى بينا كلنا أزمات.
عايش:   خلاص مافيش أخ يدخل بين أخ وأخوه.. المهم نفضل إخوات.
عفاف:   خامس هام.. إحنا لما بنزور بعض وكل واحد بيشوف حال التانى بيحسده وممكن يوقع أهل بيته فى بعض فبتحصل حزازات.
عايش:   خلاص بلاشى نزور بعض.. وأهى العربية حتتباع يعنى مش حيفضل بينا حاجة." ([26])
وقد تعمد الكاتب "تسمية بعض الأشخاص بمعانيها مثل، عايش شحاتة: الفقير المعدم، علام: المثقف، عذاب: المريض".([27]) كما تمثل "أميرة كامل" و"شومان" قطبا عائلة "الشفاط" مع التركيز على دلالة اسم (الشفاط)،- بكل ما يحمله من معانى النهب والاستيلاء – الطرف الأقوى فى الصراع الذى يستثمر حالة التفكك التى يعانى منها الأشقاء الستة، ليسيطر على ما تبقى من أملاك العائلة وأفرادها، وتدمير عقلها المفكر "عايش".
وتمر شخصية البطل "عايش" بمرحلتين:
·  مرحلة الوعى الفعلى (الوعى السلبى بالحاضر)     
·  مرحلة الوعى الممكن (الوعى المتفجر)
·  مرحلة الوعى الفعلى: فيها يقرر "عايش" قبول المساعدة من "أميرة كامل" ومشاركتها العمل فى مؤسسة حماية حقوق الحمير، بل والزواج منها، واهمًا أنه يستطيع بذلك استرداد حقوقه وحقوق إخوته المسلوبة. وفى هذه المرحلة يوظف الكاتب ملابس الشخصية كعلامات قابلة لعملية الإزاحة المستمرة من الشئ إلى المغزى، فمثلا بدلة الزفاف، بيضاء بخطوط طولية سوداء، وحذاء ضيق يسبب له مشكلة فى السير، دلالة مرادفة لتحول "عايش" بعد زواجه من "أميرة كامل" إلى تابع متعثر الخطى، بلا عقل (حمار).
·  مرحلة الوعى الممكن:      يبدأ بعلمه بالمؤامرة التى دبرتها "أميرة كامل" ضده بالتعاون مع "شومان"، وقراره بالمواجهة، وفضح ألاعيب "أميرة كامل، التى لا تختلف عن ألاعيب أمريكا كقوة استعمارية جديدة، وقراره بالانفصال عنها.
وتتحدد صورة "عايش" بالتضاد مع صورة "أميرة كامل" التى تطورت بنية شخصيتها من خلال ثلاثة محاور أساسية هى:
·  مرحلة القناع:        وهى المرحلة التى ارتدت فيها "أميرة كامل" قناع الفضيلة والبراءة، فتقدم نفسها لعايش بوصفها ملاك الرحمة الذى سيزيح عنه همومه ويخلصه من مشاكله، وذلك بهدف استمالته وكسب ثقته تمهيدًا لاستلابه.
·  مرحلة التآمر:        وتبدأ مع تآمرها بالتعاون مع "شومان" لاستلاب عقل "عايش" بحقن H.H الأمريكية وانتهت بفرض سيطرتها الكاملة عليه.
·  مرحلة سقوط القناع:  وبدأت مع كشف "عايش" لحقيقتها ومواجهته لها، وفيها لزمت الصمت ثم فرت هاربة، بعد انفجار تمثال الحرية.
إن أى نص مسرحى يشتمل بالضرورة على موقف وصراع واشتباك وجدل وتحول وتغير، "وفى كل تجربة مسرحية حقيقية يتفجر نوع من الصراع أو المعارضة بين صورة العالم التى يتبناها النص المسرحى وصورة العالم فى ذهن المتلقى، وقد ينتهى الصراع، إلى تغيير الوعى بدرجات تترواح بين الخلخلة أو التنوير الكامل،"([28]) كما حدث لعايش بطل نص "ماما أمريكا" فى نهاية المسرحية.
"عايش:  ملعون اليوم اللى نسيت فيه وصية أبويا ومشيت فى سكتك سكتك اللى بدأتها بأول خطوة تنازل جت بعدها تنازلات كتير.. ملعون اليوم اللى صدقت فيه إنك ممكن تقفى مع الحق ضد ابن عمك.. نظام إيه ده اللى عايزة تاخدى بيه بيتنا وأرضنا وميتنا وفوق منهم كرامتنا؟.. نظام إيه ده اللى مشغللنا فيه حقوق الإنسان حسب مزاج أهلك.. بس أنا مش حمار يا أميرة كامل.. أنا لحقت عقلى فى آخر لحظة فى (الإن تايم) وخليت إخواتى يشوفوا السكة اللى كنتى عاوزة تاخدينا فيها دلوقتى أنا فضلى عقلى وعلشان تفضلى كرامتى.. إنتى طالق.. طالق.. طالق."([29])
وبذلك ينتهى الصراع بتحرر "عايش" وعائلته من أسر "أميرة كامل"، بعد أن استرد وعيه قبل فوات الآوان.
- بنية الحوار:
الحوار هو القالب اللغوى الذى يصب فيه الكاتب الدرامى عباراته، "ويعتبر الحوار أحد الوسائط الهامة فى التعبير الدرامى، فهو ينقل لنا حال الشخصيات، ومحط همومها، كما يفضح الغاية التى تسعى إليها."([30])
وقد ارتكز الحوار فى نص "ماما أمريكا" على الكوميديا والدعابة اللفظية التى تتشكل طبقًا لمتطلبات المواقف وطبيعة الشخصيات، حيث اعتمد النص على التلاعب بالألفاظ، والتعليقات الذكية الساخرة السريعة المتلاحقة، التى لا يكمن هدفها فى الترفيه والتسلية والإضحاك فحسب، ولكنه يتركز أيضًا فى الإيحاء بمعانى ومدلولات تجسد فكر الكاتب، وتقربه من وجدان المتلقى، الذى قد يضحك ولكن ضحكه لا يعلو على صوت القضية التى يطرحها النص.
وقد استخدم الكاتب حوارًا نابعًا من روح الحياة اليومية المعاصرة فى حديث الشخصيات، وحشده بالعديد من الثنائيات اللفظية مثل (القوة والضعف)، (الفقر والغنى)، (الكرامة والإذلال)، (الفرقة والاتفاق)، (الحب والكراهية)، (الزيف والحقيقة)، (الانتصار والهزيمة)، وغيرها من الثنائيات التى ساهمت فى إبراز الصراع الدرامى بين الشخصيات.
كما فرضت طبيعة شخصية "أميرة كامل" (السيدة الأمريكية)، ورجال الأمن الأمريكى فى مشهد انفجار تمثال الحرية، استخدام مفردات أجنبية مثل.
·  أميرة كامل         : آى آم هير – إن ديرتى هاوس – نوت ناو – كول مى أجين – آى آم بيزى ناو – جود باى – نايس تومى يو – سيت داون بليز.
·  رجال الأمن الأمريكى: دونت موف – يور باسبورت بليز – آريو إيجبشين - يو آر إيه تيروريست.
ومن خلال المفردات الأجنبية، تولدت ثنائية لفظية جديدة، فرضت نفسها على النص وهى (إتز تو ليت – إن تايم) بمعنى (متأخر جدًا – فى الوقت المناسب)، حيث تم استخدامها فى أكثر من موقف للدلالة على أن مأساة "عايش" وأسرته، تكمن فى وصولهم دائمًا فى التوقيت الخاطئ، بعد فوات الآوان (إتز تو ليت).
"عايش:  المشكلة يا هانم إنك من عيلة الشفاط، والمشكلة الأكبر إنى عرفتك بعد فوات الآوان فى الاتز توليت، ودبحتينى فى إلان تايم."([31])
كما جاء الحوار متسقًا مع طبيعة الشخصيات، وتطور الموقف الدرامى، وظهر ذلك جليًا من خلال شخصية "عايش".
·  مرحلة الوعى الفعلى:    جاء الحوار مثقلا بالمفردات اللفظية والتعبيرات التى تحمل معانى الخنوع والاستسلام والتبعية المطلقة والرغبة فى التعايش.
"عايش:  أنا حا نزل أجيب جردل علشان أسيق الأرض.
أميرة:   تعالى هنا.. إترزع, (ينفذ عايش فى خوف وأنكسار) أتعلم تسمع الكلام.. ومن هنا ورايح أقول يمين يبقى يمين أقول شمال يبقى شمال.. أقولك تقعد مع أخواتك تقعد أقولك توفقهم مع شومان تنفذ فاهم؟.
عايش:   فاهم يا ست الرجالة."([32])
يبرز الحوار السابق سمات شخصية "عايش" فى هذه المرحلة كشخصية منكسرة، تابعة، منهزمة داخليًا.
·  مرحلة الوعى الممكن:      فيها يخرج الحوار عن حدود الخضوع والاستكانة لتتحدد معالمه فى إطار نقيض تمثله المفردات والجمل الحوارية الآتية:
(غصبن عن عين أهلك عايش – أنا مش حمار – لا مش حآجى معاكوا – لا حاتكلم – اتكلموا يا بتوع حقوق الإنسان – اسمعنى يا عالم – انتبهوا).
ومعظمها يعتمد على صيغ النفى وأساليب الأمر، فى دلالة على عملية التحول فى شخصية "عايش" – فى تلك المرحلة – شخصية ذات إرادة، تعى ذاتها وحقوقها المستلبة.
كما حمل الحوار العديد من الدلالات التى أعانتنا على تتبع تطور شخصية "أميرة كامل" من خلال:
·  مرحلة القناع:  حيث حمل الحوار بالكثير من الجمل والمفردات التى توحى برغبتها فى كسب ود "عايش" واستمالته فاستخدمت عبارات تحمل معانى التعاطف والإشفاق والاستعداد للمساعدة وبث روح الأمل فيه مثل (لازم يكون عندك أمل – أنا بأضعف قدام أى إنسان مظلوم – مش عارفة حاسة ليه إنى أعرفك من زمان – إنت هزتنى – لازم يبقى فيه عدل فيه حب فيه رحمة – إنت ما تستهلش الشفقة أنت تستاهل أن حد يقف جنبك ويحتويك).
·  مرحلة التآمر:  وفيها ينتقل الحوار من طبيعته الناعمة إلى مستوى عدوانى، محمل بجمل ومفردات تنم عن رغبة "أميرة كامل" فى فرض هيمنتها على "عايش" واستلابه أرضًا وعقلا، مثل (حاخلص منه – حاخليه يمشى على إيديه ورجليه – بعد اللى هو فيه حناخد البيت والأرض).
وبذلك تشكل بنية الأقوال فى النص العديد من المعانى والدلالات، التى أسهمت بدورها فى فهم البنية الفكرية للنص وطبيعة شخصياته.
البنية الدلالية الكلية وتماثلها مع النسق الاجتماعى:
يتضح من التحليل السابق لبنيات النص المسرحى "ماما أمريكا" مدى التفاعل القائم بين جزيئاته الداخلية، والتى كشفت عن عدد من المقولات الأساسية المتمثلة فى (التابع – المتبوع – الاستلاب).
حيث تجسد البنية الكلية للنص مفهوم التبعية المقترن باستلاب العقل والأرض، وتحذر من تجاوزاته وتنبىء بأخطاره، وتطالب بمواجهته.
وسيحاول الباحث ربط البنيات الدالة داخل هذا العمل الأدبى بنسق اجتماعى خارج النص، وذلك من خلال الخواص الأساسية للبنية الإبداعية ومدى تمثيلها لرؤية متناسقة للعالم على مستوى المفهوم والصورة اللفظية والمكانية والشخصيات والأحداث. فالرؤية الفكرية للكاتب "مهدى يوسف" – فى عرف البنيوية التوليدية – قد تجاوزت أفق الرؤية الفردية الخاصة بالمؤلف إلى آفاق أكثر اتساعا، متمثلة فى رؤية جماعة اجتماعية محددة مثل طبقة المثقفين اليساريين العرب – التى ينتمى إليها الكاتب، "بوصفه كاتبًا اشتراكيًا".([33]) – لعلاقة العرب بالولايات المتحدة الأمريكية، بوصفها علاقة قائمة على التبعية، وفرض الهيمنة، وهى رؤية واقعية – من وجهة نظر الباحث- ومغايرة فى الوقت ذاته لرؤية جماعة أخرى، "كطبقة المثقفين اليمينيين، ممن يرون فى أمريكا صورة الأحادية القطبية لعالم الغد والسيد الفعال دائم الحضور فى عملية التحول الرأسمالى العالمى. أو طبقة المثقفين الليبراليين الذين يرون فى أمريكا مثالا حقيقيًا للديمقراطية ودعم الحريات".([34])
ومن خلال دراسة البنية المتكررة من مقولات (التابع – المتبوع – الاستلاب) يمكن الكشف عن التماثل البنيوى بين بنية النص الداخلية، وبنية المجتمع الخارجية باعتبارها بنية أوسع ولدت بنية العمل الأدبى.
فالصراع بين عائلة "عايش شحاتة منافع"، وعائلة "أميرة كامل الشفاط" ما هو إلا صراع بين الدول العربية، سواء الفقيرة المعدمة أو الغنية صاحبة المصالح، كتابع، وبين القوة العظمى الوحيدة فى العالم (أمريكا)، كمتبوع، ذلك الصراع الذى فرض نفسه على الساحة السياسية منذ الحرب العالمية الثانية حتى وقتنا الراهن.
ومن هنا يمثل أفراد عائلة "عايش" تنويعات على أنماط من الدول العربية المختلفة، فعايش يمثل مصر صاحبة الدور الريادى ولم شمل الأخوة العرب، ورعاية مصالحهم، وحمل همومهم.
"عايش:  ضحيت بمستقبلى علشان أصرف على أبوكوا اللى ماحدش فيكم سأل فيه قبل ما يموت. علشانك يا هانم بعد ما رجعتيلى بشنطة هدومك فاضية ومطرودة من بيت جوزك.. علشان خاطر أخوكوا عذاب اللى قافل ورشة نجارته ومستحلى مرضه.. ولا أخوكوا علام اللى كل شوية هات يا عايش هات ياعايش، بعدما اطرد من التدريس لأنه شايف التاريخ كله مزور.. فى الوقت اللى كان فيه عبود وعاشور بيجروا علشان يعبوا كروشهم ويكنزوا، لأنهم مطمنين إن أخوهم عايش الحمار شايل حمل عيلة منافع على كتافه لوحده." ([35])
بينما يمثل "عبود" الأخ الثرى الأنانى الذى ينفق أمواله ببذخ على الراقصات، نموذجًا لبعض دول الخليج العربى الغنية بالبترول، والتى لا ترى ضررًا من التعاون مع أمريكا، وتغليب مصلحتها الذاتية على المصلحة القومية.
"عفاف:  أتكلم يا عبود.. الهانم وصلتلك إزاى علشان تشاركك فى مصنعك.. قال إيه خايفة عليك من أخوك عاشور.
عبود:    ما هو اللى عمل عليا بلطجى، وحاول يسرق البضاعة من ورايا علشان يبيعها ليها.
علام:    أيوة.. كنت بخلص حقى.
عذاب:   وما عرفتش تاخد حقك.. تحرق له مصنعه.
عفاف:   وحرقته بأس مين يا عاشور.. مش أنت برضه وزيته (إلى أميرة كامل) وبكرة تلف وتدور عليك أنت كمان يا عبود وتأكل مصنعك.
عبود:    لا تأكل مين؟ دى بتحمينى وفيه مصالح بينا.. والمصنع بتاعى واليافطة لسه عليها اسمى.
عفاف:   اليافطة بس يا عبود.. يعنى من بره الله الله ومن جوه يعلم الله."([36])
ويمثل "عاشور" (البلطجى) كما يتضح من الحوار السابق، دولة العراق كثانى أكبر قوة عسكرية فى المنطقة العربية، والتى تلوح باستخدام القوة بين الحين والآخر لخدمة مصالحها، ولو على حساب أشقائها – كما حدث فى غزو الكويت – "أما "عذاب" فيمثل الدول الفقيرة التى عانت ويلات الحروب، كما يمثل "علام" مدرس التاريخ الباكى على مجد العرب الضائع فى الأندلس، بلاد المغرب العربى."([37])
"علام:   الخطأ التاريخى يتكرر.. فى الباب الرابع من كتابى واندلوساه.. الدول الكبيرة المستفحلة اللى معاها وما بتديش (بنظرة تحذير) فاهمنى يا عبود؟ حاتدور عليها الدواير وحاتبقى زى الدول اللى راحت فى الباى باى وبقت كحيانة وعدمانة زيك يا عذاب."([38])
وأخيرا تمثل "عفاف"- كما توضح "رانيا فتح الله"- فلسطين. "فعفاف هى الشقيقة التى تود الخلاص من زوج فُرض عليها، ولا تحبه، ولازالت قضية طلاقها منه - ومنذ سنوات عديدة- معلقة فى ساحات المحاكم، للبت فيها، وتعيش "عفاف" حالة من الانتظار العقيم لحكم قد يمنحها حريتها، أو يفقدها إياها إلى الأبد، وترى "رانيا فتح الله" أن ظروف "عفاف" هى الظروف نفسها التى تعيشها فلسطين فى ظل انتظارٍ غير مجدٍ لحل قضيتها، وتخليصها من عدو غاصب فُرض عليها وأفقدها حريتها واستقلالها"([39]).        
ويمكن ملاحظة بداية أسماء الأشقاء الستة بحرف العين، وهو ما يحيلنا إلى تمثيلهم للعرب، وبناء على ما تقدم يمكن اعتبار "تدهور أحوال عائلة "عايش"، ما هو إلا تماثل - ذو دلالة- لتدهور أحوال الدول العربية بعد ضياع الخلافة العثمانية."([40])
كما تمثل "أميرة كامل" فى نص "مهدى يوسف" دولة أمريكا بقوة نفوذها وهيمنتها على الجميع، وقد تجسد هذا التماثل فى النص "حين ركع "عايش" - قبل نهاية المسرحية - أمام "أميرة كامل" ليناديها (ماما أميرة كامل) ثم يتعثر نتيجة حقن الهلوسة التى يتعاطاها، فلا يستطيع إكمال الجملة، فتخرج (ماما أميره كا) لتعكس لب القضية المطروحة فى العمل وهو الخضوع للاستعمار الجديد."([41])
وقد حمل عنوان المسرحية – نفسه – دلالة تتضمن فى طياتها المقولة الأساسية للمسرحية. فأمريكا هى الأم التى قد تحنو تارة على صغارها عندما يكونون أطفالا طائعين، ممتثلين لأوامرها، أو تلقى باللوم والتوبيخ تارة ثانية، عندما يشذ أحد أطفالها عن الطريق القويم الذى رسمته له، أو يخالف أحد تعاليمها التى لقنتها إياه، وقد تقسو تارة ثالثة، فتصفع طفلها إذا تجرأ عليها أو انتقدها، أو رفض وصايتها لإحساسه بذاته، وبأنه قد بلغ سن الرشد فتعاقبه بدافع حنان الأمومة، وباعتبارها أكثر الناس حرصًا على مصلحته.
كما يمكن إيجاد تماثل بنيوى – ذو دلالة- على مستوى الأحداث بين زواج "أميرة كامل" من "عايش" وبين الرغبة الأمريكية فى إقامة شهر عسل دائم مع مصر، لدورها القيادى فى المنطقة، بتوجيهات اسرائيلية يمثلها فى نص "ماما أمريكا"، "شومان الشفاط".
"علام:   المؤامرة الكبرى تتكرر – المغول دخلوا مصر يوم ما أيبك دخل على شجرة الدر".([42])
"ويحذر النص من أشهر العسل العربى الأمريكى الذى استيقظ منه عايش ليجد أمامه (ماما أمريكا) أو "أميرة كامل" وقد ارتدت الزى العسكرى وسط حراسها، وتمسك بالكرباج لتأمره بما يجب عمله."([43])
وقد أبرز النص من خلال الحدث السابق، وما تلاه من أحداث الخطط الأمريكية لفرض الهيمنة والتبعية على دول المنطقة العربية، واستخدام القوة بمظاهرها المختلفة منها التلويح بالعقاب.
"أميرة:   حاترتب السرير يا عايش.
عايش:   (يلقى بغطاء السرير على الأرض) مش حارتب السرير.
أميرة:   إيه ده إنت بتعاندنى؟
عايش:   أيوه بعاندك (يدق جرس التليفون) روحى ردى على التليفون.. كل يوم من ده إيه رأيك؟
أميرة:   ألو.. أيوة أنا أميرة فيه إيه؟.. يعنى إيه الراجل ده مش عايز يبيع؟.. خلاص ما أنت عارف اللى بيعند معايا بيحصله إيه؟ مدام عند.. اقتلوه... أيوه وارموا جثته فى النيل ولا فى أى خرابة."([44])
بعدها ينتفض "عايش" فى حركة سريعة، ويقوم بترتيب السرير فى همة ونشاط. كما يتعرض النص لمظهر آخر من مظاهر فرض الهيمنة متمثلا فى المعونات الأمريكية المذلة المشروطة، التى تغدق بها أمريكا على مصر، والتى تمثل فى شكلها الخارجى مساندة محمودة، ولكنها فى داخلها، تدخلا سافرًا فى شئون مصر، حيث تستغلها أمريكا كعقاب لمصر على مواقفها العدائية سواء فى سياستها الداخلية أو الخارجية، مما يولد الشعور بالذل والمهانة نتيجة الحط من كرامة المصرى، ووضعه فى مقام المتسول.
"أميرة:   إمسك أدى شيك بأربعين ألف جنية يسدد الرهنية.. وأعملى عقد إيجار نقول تلات سنين.
عايش:   أيوة.. بس ده مبلغ كبير.. أنا مش مصدق.
أميرة:   مش عايزاك تنهزم وتضيع فى الرجلين وأنا لازم أبقى جنبك.
عايش:   أنا فعلا أنا وولادى كنا مستنيين معجزة وإنتى حققتيها لى."([45])
كما تطرق النص إلى محاولات أمريكا فرض التبعية والهيمنة من خلال طمس الهوية، ومحاولات استلاب الأرض والعقل. وهو ما عبر عنه "ألبرت بفريدج" Albert Beveridge الذى سرعان ما انتخب لعضوية مجلس الشيوخ حين قال "إن الأمريكيين هم الجنس الغازى، وعلينا أن نمتثل لما تمليه علينا دماؤنا.. فنحتل أسواقًا جديدة وأراضى جديدة أيضًا إذا لزم الأمر لأن غاية الله النهائية، تتمثل فى حتمية اختفاء الحضارات المنهارة والأجناس الضعيفة أمام حضارة أمريكا العظمى."([46]) فأميرة كامل، ليست سوى صورة لممارسات القطب الأوحد بهويته ومرجعيته، محاولا فرض استراتيجيته التى تقوم على محو الآخر وإلغائه، ومحاربة مقوماته الحضارية وطمسها، ليحيل العالم إلى دائرة مغلقة، ممكن من خلالها استلاب العقل الإنسانى، أو تفكيك بنيته الثقافية، وأنظمته الفكرية لصالح حضارة واحدة هى حضارة الأقوى، فالجميع يعلم أن الإنسان العربى صلب التكوين النفسى لأنه محمل بإرث استعمارى عمره آلاف السنين، وله ذكريات عن أزمان المجد، والعراقة الحقيقية، وعن حضاراته التى قدمت للإنسانية الكثير، ولاشك أن هذه الخلفية التاريخية والذاكرة الجمعية للعربى تملأ وعى المستعمر بالقلق من بعث جديد يعيد للأمة العربية أمجادها الغابرة.
وقد تأكد هذا المعنى فى النص من خلال التحول فى العلامات المكانية من منزل عائلة "عايش" ذو الملامح العربية الأصيلة إلى مقر مؤسسة حماية حقوق الحمير الأمريكية، ذات الملامح العصرية الغربية.
كما يجب ألا نغفل دلالة اسم المؤسسة "والتى تولدت عن حقيقة اجتماعية تتمثل "فى رغبة أمريكا فى أن تحول العالم إلى قطيع يسير خلف من يحمل القمح (البرسيم)".([47])
"أميرة:   المؤسسة فى أمريكا وضعت القوانين والتشريعات المنظمة لحقوق الحمير فى العالم كله."([48])
كما يقدم النص شخصية "علام" مدرس التاريخ الغائب عن الوعى بفعل المخدرات، كنموذج مماثل لضحية المؤامرات الأمريكية، ومحاولاتها المستمرة لتغييب العقل العربى، وضرورة فصله عن قضيته الأساسية المتعلقة بالأرض والحريات، فعندما يعيش الإنسان فى ظل قهر أعمى، وديكتاتورية هوجاء، يصبح حتى عقله معتقلاً سجينًا لبطش هذا القهر، وهذه الديكتاتورية، ويوضع تحت الوصايا، حيث تملى عليه آراؤه، وأفكاره.
"أميرة:   عاملى لى مناحة على الأندلس اللى راحت.
علام:    حضرتك قريتى الكتاب كويس؟!
أميرة:   طبعا قريته وفهمته أنا مش جاهلة يا علام.. أنت عامل علاقة بين الأندلس والنظام العالمى الجديد.... الكلام ده أنا مش حاطبعه.. أنا عايزاك تبحث فى معضلات تاريخية تهم الناس.
علام:    زى إيه؟
أميرة:   عندك مثلا.. فيه خلاف تاريخى عايزاك تحسمه.. هل باب القلعة لماجم يركبوه... ركبوه عدل ولا مقلوب؟."([49])
ويتضمن النص خطابًا مماثلا للحالة العربية الراهنة، يتأملها ويعيد النظر فى عوامل الضعف فيها، فنحن أمة مختطفة عاجزة مكلومة فى تاريخها وشرفها وكرامتها، وصلت إلى حالة من التداعى والهوان فى ظل حالة الفرقة والتشرذم العربى، وغياب القومية العربية، وقد تجسدت هذه المعانى من خلال التفسخ الاجتماعى بين أفراد عائلة "منافع" وخلافاتهم المستمرة، وقد تم تأكيد هذه الدلالة من خلال علامة مادية تمثلت فى حطام (العربية)، وقد وضعه الأخوة فى منتصف المسرح وهم فى حالة بكاء، بعد إحتراقها وقد ارتبطت تلك العلامة المرئية بعلامة سمعية لتأكيد الدلالة التعبيرية، وذلك من خلال تعليق "علام" الساخر على ضياع القومية العربية.
"علام:  وإيه يعنى العربية ضاعت (يخرج مهزوما) ما القومية قبلها ضاعت والأندلس ضاعت..          
         والقدس ضاعت.. كله ضاع."([50])
كما يعطى النص أبعادًا لقضية تبدو لأول وهلة بسيطة إلا أن أعماقها ورموزها تمتد لمشكلة فلسطين، وحق العرب الفلسطيني فى أراضيهم المحتلة، حيث تمثل شخصية "شومان" الطرف الإسرائيلى الذى اغتصب أراضى عائلة "منافع"، ويحيلنا مشهد تسوية النزاع بينه وبين الأشقاء الستة حول الأرض، لقضية تقسيم فلسطين.
"علام:   إحنا مش عايزين غير كلمة واحدة وبعدين نتناقش... الأرض دى بتاعتك؟
شومان: إحنا كدة دخلنا فى طريق مسدود... أنا عاوز سنتين تلاتة علشان أفكر فى سؤالك ده.
عبود:    يبقى أنت بقى مش عاوز تحلها ودى... بينا يا جماعة.
شومان: طب علشان مايبقاش أنا اللى معرقبها... حاديكم تلاتين فدان ليكم كلكم وده آخر كلام.
عفاف:   مش قتلتكم ده كلب ولا يسوى... بينا يا جماعة.
عاشور: استنوا بس لما نشوف عاوز يوصل لأيه؟ كمل.
شومان: اقتنعتم...... بالعشرين فدان؟
عاشور: لا يمكن... أنت قلت من شوية بعضمة لسانك تلاتين فدان...
عبود:    جرى إيه يا عاشور... أنت أتجننت؟ بتأمن له على التلاتين فدان؟!
شومان: طب استنوا حاديكم خمسين فدان ليكم كلكم... عشرة فى الأول وبعدين نقعد نماطل فى الأربعين." ([51])
إن التماثل بين البنيتين الإبداعية والاجتماعية هنا تتجسد فى المحتوى الفكرى والدلالى والذى يشكل نسقًا اجتماعيًا يتمثل فى المماطلة الإسرائيلية بشأن استرجاع الأراضي الفلسطينية المغتصبة ومشروع تقسيم فلسطين، الذى بدأ مع "تصويت الجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة عام 1947، على القرار رقم 181 الذى طرح خطة لتقسيم فلسطين إلى دولتين إحداهما يهودية والثانية فلسطينية، أما القدس فتصبح منطقة دولية، وإذا كان هذا المشروع يتلاءم ومنظورهم الخاص، فقد رحب به اليهود فى حين رفضه الفلسطينيون رفضًا باتًا." ([52])
كما يحيلنا النص إلى "الفكرة العالمية التى جرى التبجح بها كثيرًا حول الحرية والعدالة والديمقراطية، والتى تمارسها أمريكا بطرائق مختلفة تبعدها عن مفهومها الحقيقى، لتصب فى مصلحتها الذاتية، وقد تولدت عن التعريف الخاطئ لهذه القيم، بنية إبداعية فى النص تمثلت فى المشهد الأخير الذى يتحطم فيه تمثال الحرية، فى دلالة تعبيرية على انعدام الحرية فى معاقلها، حيث يصبح تحطيم الجزء الأعلى من تمثال الحرية، معادلا تشكيليًا لفكرة الحرية المنقوصة المغلفة بالأفكار المضللة عن البراءة والصلاح والفضيلة والتى تولد نوعا من الإحباط واليأس، وشعورًا بالكره والعداء يقود فى النهاية إلى الخاتمة المحتومة المتمثلة فى استخدام العنف والإرهاب.
ويمكن إجمال حالات التماثل بين البنية الداخلية للنص، وبنية المجتمع الخارجية، من خلال الجدول الآتي:


بنية النص الداخلية
بنية المجتمع الخارجية
التابع
الحكام العرب، الذين أرهقتهم الخلافات، وطمعتهم المعونات الأمريكية، فباتوا فى مستنقع الذل والهوان، بأن أعطوا لأمريكا الضوء الأخضر للتدخل فى شئونهم، وفرض هيمنتها عليهم، نتيجة ضعفهم، وتفرقهم، وقلة حيلتهم فى حل مشاكلهم، وسعى بعضهم إلى تحقيق مكتسبات ذاتية على حساب القومية العربية.
المتبوع
أمريكا، القطب الأوحد المهيمن على العالم فى وقتنا الرهن، باعتبارها الإمبراطورية الملهمة التى توسمت فى نفسها أهلية الدور العالمى، وقيادة حركة التقدم برفع لواء الحرية وقيم الديموقراطية وحقوق الإنسان.
الاستلاب
المطامع الأمريكية الممتدة المشمولة بشهوة الاستحواذ وآليات التسلط، والمتمثلة فى محورين من محاور الاستلاب: استلاب الأرض، واستلاب العقل.
• استلاب الأرض: بالتدخل العسكرى بحجة تدعيم الديمقراطية، وحماية الحريات ومحاربة النظم السياسة الديكتاتورية فى المنطقة العربية، أو تدعيمها لإسرائيل ومساعدتها فى اغتصاب الأراضى الفلسطينية.
• استلاب العقل: وهو أنكى من استلاب الأرض لأنه ربما يجعله مبررًا، وحقًا مشروعًا، ويتم عن طريق طمس هوية الآخر، وفرض الثقافة الأمريكية بوصفها ثورة تصحيحية لمسارات الفكر وتيارات الوعى.
ونتيجة التناقض بين ثنائية التابع والمتبوع فى النص يتم إزاحة الوعى الفعلى (السلبى) لعايش وأخوته ليتولد وعي جديد (الوعى الممكن) متمثلا فى إرادة المواجهة، بعد سقوط الأقنعة، وكشف الحقائق، ويقدم النص ذلك الوعى الممكن كرؤية مستقبلية للعالم، فالعرب قد فهموا اللعبة، فهم يعرفون من يدعم إسرائيل بالسلاح، ومن يكسر الإرادات وينهب الموارد ويهدد بالتدخل ويلوح بالعقوبات وتبقى إرادة المواجهة، هذه الإرادة المتذبذبة المرتعشة، التى هى فى الواقع صورة من صور التخلف والتمزق فى المجتمع العربى المعاصر، ويقدمها النص كحل مثالى مقترن بلم الشمل، ونبذ الخلافات والوصول إلى وفاق عربى، للتصدى للغطرسة الأمريكية، وتهديداتها لاستقلال العرب وحريتهم.
 لقد قدم الباحث فى هذا الفصل صورة للشعارات المزيفة التى ترفعها أمريكا حول الحرية والديمقراطية، وذلك من خلال نص "ماما أمريكا" للكاتب "مهدى يوسف" الذى كشف القناع عن الوجه الحقيقى لأمريكا فى تعاملها مع العرب، بوصفهم تابع لها، وأوضح فشل أمريكا فى إعلاء شأن الحرية وتدعيمها فى المحيط العربى، بما يتناقض مع ادعاءاتها الزائفة.
 "وفى هذا النص يبرز دور المسرح ليس فى عكس الواقع المعيش فحسب، ولكن فى رؤيته المستقبلية لما قد يصادفنا من أزمات، فقد دق النص ناقوس خطر مبكر، وأنذر بعاقبة تجاوزات السياسة الأمريكية، وقد صدق حدس الكاتب الذى جاء متماثلا مع حادث نسف برجى التجارة العالمية فى 11 سبتمبر عام 2001." ([53])



([1])  جلال أمين: عولمة القهر، الولايات المتحدة والعرب والمسلمون قبل وبعد احداث سبتمبر 2001، دار الشروق، القاهرة، 2002، ص18.
([2]مهدى يوسف: ماما أمريكا، فكرة: محمد صبحى، المركز المصرى العربى للتصميمات الفنية والطباعة، القاهرة، 1995، ص ص45، 46.
([3]المصدر السابق، ص48.
([4]المصدر السابق، ص49.
([5]المصدر السابق، ص84.
([6]المصدر السابق، ص70، 71.
([7]المصدر السابق، ص90.
([8]المصدر السابق، ص101.
([9]المصدر السابق، ص115.
([10]) المصدر السابق، ص115، ص116.
([11]) المصدر السابق، ص143.
([12]) المصدر السابق، ص145.
([13]) المصدر السابق، ص149.
([14]) سعيد شعيب: رغم ركوع الجميع، محمد صبحى يطلق النار على أمريكا، (مقال) منقول عن، المسرح المصرى 1995، 1996، وزارة الثقافة، المركز القومى للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، القاهرة، 1997، ص280.
([15]) مهدى يوسف: مصدر سبق ذكره، ص72.
([16]) المصدر السابق، ص44.
([17]) المصدر السابق، ص49.
([18]) مدحت أبو بكر: المسرح يطالب بالتجمع العربى لمواجهة ملاعيب ماما أمريكا، (مقال) منقول عن المسرح المصرى 1995، 1996، وزارة الثقافة، المركز القومى للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، القاهرة، 1997، ص282.
([19]) مهدى يوسف: مصدر سبق ذكره، ص151.
([20]) المصدر السابق، ص30.
([21]) المصدر السابق، ص93.
([22]) المصدر السابق، ص126.
([23]) المصدر السابق، ص146.
([24]) المصدر السابق، ص30.
([25]) ألفت عبد الحميد حسانين شافع: النص المسرحى بين اللغة والميتالغة، دراسة تحليلية فى جذرية الضرورة النصية للمسرح المعاصر، رسالة ماجستير، غير منشورة، جامعة الإسكندرية، كلية الآداب، 2010، ص 138.
([26]) مهدى يوسف: مصدر سبق ذكره، ص61-62.
([27]) سعيد شعيب: مرجع سبق ذكره، ص280.
([28]) نهاد صليحة: الحرية والمسرح، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1993، ص15.
([29]) مهدى يوسف: مصدر سبق ذكره، ص148.
([30]) عصام الدين أبو العلا: المسرحية العربية، الحقيقة التاريخية والزيف الفنى، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1994، ص76.
([31]) مهدى يوسف: مصدر سبق ذكره، ص88.
([32]) المصدر السابق، ص133.
([33]) عمرو دوارة: مهدى يوسف يتحدى ماما أمريكا.
http://www. Masress. com
([34]) أنظر: أنا تولى أوتكين: الاستراتيجية الأمريكية للقرن الحادى والعشرين، ترجمة: أنور محمد إبراهيم، محمد نصر الدين الجبالى، مطابع المجلس الأعلى للآثار، القاهرة، 2003، ص22-24.
([35]) مهدى يوسف: مصدر سبق ذكره، ص56.
([36]) المصدر السابق، ص144.
([37]) مسرحية "ماما أمريكا" : موسوعة ويكيبيديا الإلكترونية.
http:// www.wikipedia.com
([38]) مهدى يوسف: مصدر سبق ذكره، ص36.
([39]) حوار أجراه الباحث مع السيدة الدكتورة "رانيا فتح الله" (أستاذ مساعد التمثيل والإخراج) بقسم الدراسات المسرحية، والتى شاركت فى بطولة مسرحية "ماما أمريكا" بأدائها لشخصية (عفاف). تاريخ الحوار: 25/3/2012.
([40]) انظر: مسرحية "ماما أمريكا" : موسوعة ويكيبيديا الإلكترونية، مرجع سبق ذكره.
([41]) عبد الخالق صبحى: ماما أمريكا.. دمعتان وابتسامة، (جريدة الأهرام المسائى)، العدد 1511، مطابع الأهرام، القاهرة، 1995، ص1.
([42]) مهدى يوسف: مصدر سبق ذكره، ص132.
([43]) هشام لاشين: ماما أمريكا أخطر مسرحية سياسية فى التاريخ المعاصر، (مقال منقول عن) المسرح المصرى 1995/1996، وزارة الثقافة المركز القومى للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، القاهرة، 1997، ص296-297.
([44]) مهدى يوسف: مصدر سبق ذكره، ص133.
([45]) المصدر السابق، ص87.
([46]) ج. ويليام فولبرايت: غطرسة القوة، ثمن الإمبراطورية، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، الأهرام، القاهرة، 1994، ص47.
([47]) مدحت أبو بكر: مرجع سبق ذكره، ص281.
([48]) مهدى يوسف: مصدر سبق ذكره، ص85.
([49]) المصدر السابق، ص102.
([50]) المصدر السابق، ص74.
([51]) المصدر السابق، ص106.
([52]) أورى وزولى: مرجع سبق ذكره، ص37.
([53]) حوار تليفزيونى بين "حسن المستكاوى" والفنان "محمد صبحى"، برنامج "صالون المستكاوى" قناة مودرن سبورت، بتاريخ 23/1/2011.

فن الكوميديا بين الابتذال والنقد الاجتماعى

بقلم: د/ إبراهيم حجاج مدرس  بكلية الآداب ... قسم الدراسات المسرحية 

ترسخ فى ذهن البعض أن فن الكوميديا، وما يصاحبه من ضحك وهزل ـ قد يتجاوز حد المألوف ـ عادة ما ينظر إليه نظرة دونية لا ترقى لنظرتنا للأعمال التراجيدية الجادة. وقد ساد هذا المفهوم ميدان المسرح منذ الإغريق القدامى، مرورا بالعصور الوسطى، وصولا إلى عصر النهضة، "حيث هاجم النقاد الكتاب التراجيديين الذين أدخلوا فى مسرحياتهم عنصر الفكاهة من أمثال "شكسبير" الذى اعتاد تقديم المهرجين والمضحكين والمواقف الكوميدية فى مآسية من أمثال "هاملت" و "الملك لير" و "ومكبث" وغيرها، وكانت حجتهم فى ذلك أنه أفسد العنصر المأساوى، وأضاع نقاءه وسموه، وبذلك هبط بمسرحيته من سماء التراجيديا الرفيعة"([1]) والواقع أن تلك نظرة ضيقة بكل المعانى، بل خطأ توارثته بعض الأجيال الباحثة، حيث اختلطت الأوراق بين الكوميديا المبتذلة "التى تقترن عادة بالإسفاف فى الحوار والخروج عن اللياقة، أو العدوان على بعض القيم الخلقية التى يعيشها المجتمع وبين الكوميديا التى تجمع بين الهدف والتسلية، وتتعرض إلى نقد سلوكيات الفرد والمجتمع بهدف تغييرها إلى الأفضل."([2]) وبذلك يختلف مغزى الكوميديا عما يعتقده البعض، إذ إن مغزاها ليس دغدغة حواس المشاهد، ودفعه للانفجار فى الضحك، بل هى فن راق "له مغزى جماعى ينشد تصوير الأخطاء الاجتماعية كلها ، ويحاول أن يصححها من أجل استمرار بقاء المجتمع."([3]) وهى كما قال شيشرون"(*) Cicero )106- 43 ق.م) فى عبارة كثيرًا ما اقتبست، "تقليد للحياة، ومرآة لما هو عار، وصورة للحقيقة" ([4])
وقد عبر "محمد عنانى" عن مفهوم الكوميديا وأضاف مغزى جديدًا لها بقوله "ليست الكوميديا على الإطلاق مسرحية تثير الضحكات، ولو كانت تثير الضحكات بالفعل. وليست التراجيديا مسرحية تبعث على البكاء، ولو أبكتنا. إذ أن الكوميديا تعتمد فى جوهرها على إمكانية التوفيق بين العناصر المتضاربة أو المتناقضة لحياة الإنسان، ولذلك فهى دائمًا ما تبقى على التصالح والأمل والهناء مهما حدث من تصارع بين القوى التى تشترك فى الحدث الدرامى، ومن ثم فهى احتفال بالإنسان، وبالسعادة، وإعراب عن فرحة الحياة وانتصار على قوى الدمار والموت، وهذا كان منشأ الدراما نفسها فى الحقيقة."([5])
وتكمن المعادلة الصعبة فى كيفية مزج الكوميديا بالتراجيديا، بحيث توظف الفكاهة، بشكل لا تفقد فيه المسرحية جديتها ووقارها وهدفها الاجتماعى من أجل تقديم تكثيف درامى للإنسان، وعالمه المتشعب الذى يحمل فى طياته، ما يضحك وما يبكى.


([1]نبيل راغب: مسرح التحولات الاجتماعية فى الستينات، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1990، ص113.
([2])  عبد القادر القط: قضايا ومواقف، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، القاهرة، 1971، ص 193، 194.
([3]أحمد صقر: دراسات فى المسرح العربى الكوميدى المعاصر، مركز اسكندرية للكتاب، الإسكندرية، 1999، ص37.
(*)  شيشرون: كاتب رومانى وخطيب روما المميز.
([4]مقتبس فى: أمير سلامة: الكوميديا والمسرح المصرى المعاصر (1975 ـ 2000)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة،2001، ص14.
([5])  محمد عنانى: فن الكوميديا، مكتبة الأنجلو، القاهرة، 1980، ص49، 50.

السبت، 4 أغسطس 2012

العلاقات الأمريكية العربية قبل الحرب العالمية الأولى


بقلم د/ابراهيم حجاج مدرس بقسم الدراسات المسرحية كلية الآداب جامعة الاسكندرية.
تعد منطقة الشرق الأوسط بؤرة مصالح إمبريالية واسعة عسكرية، وسياسية، وإيديولوجية، واقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية التى تعطى هذه المنطقة أهمية استراتيجية فائقة، "فهى تقع عند ملتقى قارات ثلاث وعلى الحدود الجنوبية للاتحاد السوفييتى، وتمر عبرها قناة السويس، وعقدة مواصلات بحرية وجوية تصل أوربا وأسيا وأفريقيا، وتغوى الإمبريالية الأمريكية طبعًا ثروات الشرق الأوسط النفطية ووضعه فى بؤرة الاهتمام باعتباره مركزًا نفطيًا رئيسيًا للعالم الرأسمالى.
وتقع عملية صنع السياسة الخارجية الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط تحت تأثير مجموعة واسعة من القوى والمؤسسات يضع "فواز جرجس" فى مقدمتها: رئيس الدولة، الكونجرس الأمريكى، وجماعات الضغط (اللوبى اليهودى)، وعلى الرغم من العلاقة المعقدة والمهمة بين الأطراف الثلاثة، واختلافها فى بعض الأحيان حول تحديد المصالح الأمريكية فى النظام الدولى فإنها نادرًا ما تختلف عندما يتعلق الأمر بالمنطقة العربية، وإجمالاً، فعلى مدار الخمسين سنة الماضية، منذ السبعينات بوجه خاص، كان هناك إجماع نسبى فى صفوف جهاز السياسة الخارجية على النقاط العريضة للمصالح الحيوية الأمريكية فى المنطقة العربية وتتضمن هذه المصالح ما يأتى:
تأمين حصول الولايات المتحدة على النفط العربى بسعر مقبول.
إبقاء الاتحاد السوفييتى بعيدًا عن الشرق الأوسط.• المحافظة على أمن إسرائيل وتفوقها على جيرانها العرب."
وقد مرت العلاقات الأمريكية العربية بعدة مراحل أساسية منها:
المرحلة الأولى: بدأت مع ظهور الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها دولة مستقلة فى الربع الأخير من القرن الثامن عشر واستمرت حتى الحرب العالمية الثانية 1939.
فى هذه المرحلة حاولت الولايات المتحدة الأمريكية أن تأخذ موقفًا إيجابيًا فى علاقاتها بالمنطقة العربية، حيث "بدأت العلاقات العربية الأمريكية بنشاطات اتخذت طابع تقديم الخدمات الدينية والصحية والتعليمية التى قدمتها البعثات التبشيرية الأمريكية للأقطار العربية منذ عام 1819م. ولم يأت عام 1900م، حتى كانت هذه الإرساليات قد أثبتت وجودها، وقدمت خدماتها المتنوعة بصورة منتظمة ذات تأثير فى الشعوب العربية فى كل من مصر وبلاد الشام ومنطقة الخليج العربى وغيرها من أقطار العرب، بإنشاء المدارس والمستشفيات والكنائس. ولم تكن التجارة الأمريكية فى الأقطار العربية ببعيدة عن دائرة الضوء "ذلك أن السفن الأمريكية منذ أوائل القرن التاسع عشر عرفت موانئ الأقطار العربية المطلة على البحر المتوسط، ومن ثم فإنه يمكن التأريخ لبدء العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية والأقطار العربية بالمعاهدات التجارية التى عقدت بين أمريكا وبين أقطار شمال أفريقيا العربية أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر
وقد ظلت المصالح والخدمات الأمريكية فى الأقطار العربية تمارس دورها المرسوم حتى قيام الحرب العالمية الأولى 1914.
"وعقب الحرب العالمية الأولى توسمت الولايات المتحدة الأمريكية فى نفسها – باعتبارها الإمبراطورية الملهمة – أهلية الدور العالمى وقيادة حركة التقدم، ورفع لواء المسئولية التاريخية إقرارا بمبادئ الحرية السياسية والاقتصادية، وقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، ولقد أعلنها الرئيس الأمريكى "ويلسون"() Wilson (1856-1924) قائلا: إننا سنقاتل من أجل الديمقراطية، ومن أجل أن نجعل العالم بأسره حرًا.، وكان ذلك من خلال مبادئه الأربعة عشر التى أعلنها فى يناير 1918 خاصة المبدأ الثانى عشر الخاص بحق تقرير المصير للشعوب التى كانت خاضعة للحكم التركى."
ويتضح مما سبق أن السياسة الخارجية الأمريكية قد تبنت مفهوم المدرسة المثالية فى بداية علاقاتها بالدول العربية خلال تلك المرحلة، ومع ذلك فهناك بعض المواقف التى حادت عن هذا المفهوم مثل موقف "ويلسون"، صاحب النقاط الأربعة عشر نفسه، "والذى خيب آمال العرب بتأييده لوعد بلفور (وزير الخارجية البريطانى حينذاك) عام 1917، والذى يدعو إلى إنشاء وطن قومى لليهود فى فلسطين، وهو الوعد الذى علق عليه الزعيم "جمال عبد الناصر" بقوله (وعد من لا يملك لمن لا يستحق)، هذا بالإضافة إلى "إقرار "ويلسون" لاتفاقية "سايكس – بيكو" بتقسيم البلاد العربية بين إنجلترا وفرنسا، واعترافه بالحماية البريطانية على مصر.
وقد جاءت مواقف "ويلسون" الأخيرة تأكيدًا لمبدأ التناقض بين الفعل والقول فى السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية.


العلاقات العربية الأمريكية بعد حرب أكتوبر 1973 حتى بدايات القرن الحادى والعشرين.


بقلم: د/ابراهيم حجاج مدرس بقسم الدراسات المسرحية بكلية الآداب جامعة الاسكندرية.
مرت هذه المرحلة بالعديد من الأحداث السياسية على المستوى العربى والعالمى، مما كان له الأثر فى حراك العلاقات العربية الأمريكية بشكل متذبذب هبوطًا، وصعودًا.
وأهم هذه الأحداث هى:
● معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل تحت المظلة الأمريكية.
● انهيار الاتحاد السوفيتى.
● انفجار برجى التجارة العالمية.
● حرب العراق وسقوط نظام صدام حسين.
معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل:
كان لنصر أكتوبر 1973 أثره الكبير على تغيير النظرة الأمريكية للدول العربية، بعد ما أظهرته من وحدة فى المجال السياسى والحربى والاقتصادى، ظهرت فعاليتها فى تعرض الولايات المتحدة الأمريكية فيها لعقوبات اقتصادية، وسياسية عربية بسبب تأييدها المطلق لإسرائيل، وكما يقول المؤرخ "جورج لنكزوسكى" G.Lenczowski: "أنه بسبب معاملتها التفضيلية ٍلإسرائيل، فإن الولايات المتحدة قد عانت من مقاطعة نفطية أحدثت حالة من الشلل تقريبًا، وعانى اقتصاد العالم الغربى بأكمله نتائج سلبية بسبب الارتفاع المذهل فى أسعار النفط. فقد بينت المقاطعة النفطية عام 1973 بوضوح القوة الاقتصادية العربية، والارتباط الوثيق بين النفط والسياسات الدولية.
وقد ظهر تغير الموقف الأمريكى حيال المنطقة العربية بعد حرب أكتوبر متمثلا فى نقطتين الأولى: إيجابيته تجاه إيجاد حلا عادلا للقضية الفلسطينية، والثانية: سعيه إلى التوصل لسلام دائم بين العرب وإسرائيل فى المنطقة.
فعلى مستوى القضية الفلسطينية طرأ على الموقف الأمريكى تغير لا بأس به لوحظ فى "تصريح الرئيس الأمريكى "جيمى كارتر"، خلال شهر مارس 1977 يعترف فيه لأول مرة بأنه من حق الفلسطينيين أن يكون لهم وطن قومى فى فلسطين. ولكن يجب ملاحظة أن هذه التغيرات التى طرأت على الموقف الأمريكى حيال القضية الفلسطينية صنعها العرب بأنفسهم. كما أن هذه التغيرات لا تعنى انحيازًا أمريكيًا للعرب على حساب إسرائيل، بقدر ما هى دعوة لتطبيق العدالة والخوف على إسرائيل من قوة العرب التى بزغت منذ حرب أكتوبر، وأصبحت تمثل القوة السادسة فى العالم باعتراف معاهد استراتيجية فى العالم.
أما على مستوى إحلال سلام شامل فى المنطقة، فيجب أن ننوه على أن بعد حرب أكتوبر طرأت على إسرائيل تغيرات سياسية متمثلة فى "فوز حزب الليكود فى الانتخابات الإسرائيلية عام 1977، وحزب الليكود يمثل تيارًا أقرب إلى الوسط من منافسه الرئيسى حزب العمل الإسرائيلى الذى هيمن على السياسة الإسرائيلية منذ المراحل الأولى لنشوء دولة إسرائيل وكان الليكود لا يعارض فكرة انسحاب إسرائيل من سيناء ولكنه كان رافضًا لفكرة الانسحاب من الضفة الغربية، وعلى الجانب الآخر بدأت ثقة الرئيس المصرى "محمد أنور السادات" تتزعزع بشأن ممارسة الولايات المتحدة أى ضغط ملموس على إسرائيل، هذا فى الوقت الذى أصيب فيه الاقتصاد المصرى بحالة من التدهور الشديد، مما مهد الطريق للسادات للتفكير "بأن على مصر أن تركز على مصالحها بدلا من مصالح مجموعة من الدول العربية، وكان "السادات" يأمل إلى أن أى اتفاق بين مصر وإسرائيل ستتبعه اتفاقات مشابهة للدول العربية الأخرى مع إسرائيل، وبالتالى سوف يؤدى إلى حل للقضية الفلسطينية.
وفى العام 1978 نجحت الولايات المتحدة فى حمل مصر وإسرائيل على التوقيع على اتفاقيتى "كامب ديفيد" الشهيرتين، واللتين كانت أول الطريق على توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل فى مارس 1979 "وكانت المحاور الرئيسية للاتفاقية هى: إنهاء حالة الحرب وإقامة علاقات ودية بين مصر وإسرائيل، وانسحاب إسرائيل من سيناء التى احتلتها عام 1967 بعد حرب الأيام الستة.
وقد أثارت اتفاقية كامب ديفيد غضب الرأى العام العربى والعالمى، فعلى سبيل المثال نشرت جريدة "القدس العربى" اللندنية "أن العرب لم يكونوا الوحيدين المقتنعين بأن الاتفاقية كانت تفريط فى منجزات النصر العسكرى العربى فى حرب أكتوبر، وأن تركيز السادات على استرجاع سيناء على حساب القضية الفلسطينية قد لقى انتقادات من الاتحاد السوفيتى ودول عدم الانحياز وبعض الدول الأوربية.
كما ساهمت هذه الاتفاقية فى تفكيك أواصر الوحدة العربية حيث تم فصل مصر عن العرب، "فقد عقدت القمة العربية فى بغداد فى نوفمبر 1978 وأعلنت رفضها لكامب ديفيد، وتعليق عضوية مصر ومقاطعتها تمامًا، وتم نقل مقر جامعة الدول العربية من القاهرة إلى تونس، واستمرت هذه المقاطعة تسع سنوات كاملة، حتى عادت العلاقات فى نوفمبر 1987 بالقمة التى عقدت فى عمان. وبذلك فقدت مصر رصيدًا كبيرًا فى قيادة العالم العربى، وضيعت إيجابيات الوحدة العربية التى حدثت بعد حرب 1973. وكانت أمريكا ترعى مباحثات السلام بقوة، وليس هذا بلا شك – من أجل مصلحة المصريين، وإنما كانت تحرص فى المقام الأول على مصلحة اليهود، وليس أدل على ذلك من التهديد الأمريكى الصريح لمصر، قبل يوم واحد من توقيع معاهدة السلام 1979 حيث تسلمت مصر من الولايات المتحدة رسالة تفيد "بتقديم الولايات المتحدة ما تراه لازمًا من مساندة لإسرائيل فى حالة انتهاك بنود المعاهدة خاصة إذا ما رئى أن هذه الانتهاك يهدد أمن إسرائيل، مثل تعزيز وجود الولايات المتحدة فى المنطقة، وتزويد إسرائيل بالشحنات العاجلة، والمساعدات العسكرية والاقتصادية لوضع حدًا للانتهاك.
ومن أجل اليهود عرضت أمريكا على مصر المساعدات الأمريكية (المعونة) لكى توقع الاتفاقية، ووقعت مصر، وجاءت المعونة التى بدأت ب 200 مليون دولار سنويًا، ثم أخذت فى الازدياد حتى فاقت المليار دولار سنويًا ثم تناقصت الآن من جديد، والثمن أن يكون توجهنا أمريكيًا خالصًا.
وقد صدق توقع الرئيس "محمد أنور السادات"، فما هى إلا سنوات وتحولت أمريكا إلى قطب واحد يتسابق الجميع إلى مصادقته وإتباعه وهو وضع لم يكن أبدًا على الساحة قبل معاهدة السلام.
واستمرت حالة التأييد الأمريكى المطلق لاسرائيل بعد معاهدة السلام، ففي سعي الرئيس الأمريكى "رونالد ريجان"() Ronald Reagan (1911-2004) لكسب الأصوات اليهودية حرص على "زيادة الروابط مع المؤسسات اليهودية الصهيونية في الولايات المتحدة قبل موعد الانتخابات الرئاسية وخلال حملته الانتخابية زار "ريجان" المنظمة اليهودية "بناي برث" في واشنطن عام1980م، وألقى خطابًا قال فيه: "إن إسرائيل ليست أمة فقط بل هي رمز ففي دفاعنا عن حق (إسرائيل) في الوجود إنما ندافع عن ذات القيم التي بنيت على أساسها أمتنا. وكان أهم موضوع في الحملة الانتخابية للمرشح "ريجان" هو مزاعمه بعجز إدارة "كارتر" في تقدير أهمية (إسرائيل) كرصيد استراتيجي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وفي مقال له في صخيفة "واشنطن بوست" ذكر أن وضع الولايات المتحدة سيكون أضعف في المنطقة بدون الأرصدة السياسية والعسكرية التي توفرها إسرائيل كقوة مستقرة، وكرادع للهيمنة الراديكالية.
انهيار الاتحاد السوفيتى:
بدأت الولايات المتحدة تشعر بخطر الشيوعية ليس على المصالح الأمريكية فى منطقة الشرق الأوسط فحسب بل على تلك المصالح فى العالم أجمع، خاصة "بعد أن كسبت الشيوعية الدولية انتصارات فى أنحاء العالم. وبدأت أمريكا استعداداتها فى الدفاع المستميت عن النظام الرأسمالى فى مواجهة نظام اشتراكى طفق يتوسع سريعًا ويجذب الكثير إلى النموذج الذى يسعى لإقامته، "حتى انتهى الأمر بانتصار نظامها وسقوط النظام الآخر بفعل أوجه ضعفه الداخلية فى المحل الأول، ومحاربة الولايات المتحدة له وإنهاكه واستنزافه فى سباقات التسلح وفى الصراعات الدولية ومحاصرته اقتصاديًا وتجاريًا.
وبانهيار المعسكر الاشتراكى، وانتهاء زمن القطبين، أصبحت للولايات المتحدة الهيمنة على العالم باعتبارها القوة العظمى الوحيدة اقتصاديًا وحضاريًا وعسكريًا، وعلى الجانب الآخر" حرم انهيار الاتحاد السوفيتى الفلسطينيين من قوة عظمى كانت نصيرًا وحاميًا لهم.
انفجار برجى التجارة العالمية:
بعد الأحداث غير المسبوقة التى تعرضت لها أمريكا فى 11 سبتمبر 2001، من جراء هجوم الطائرات الانتحارى على برجى مركز التجارة العالمى فى نيويورك، ووزارة الدفاع (البنتاجون) بواشنطن، خلطت الأوراق على الساحة الدولية، وأعلنت الحروب على الإرهاب الدولى؛ حيث "سارعت وسائل الإعلام الأمريكية، وأبواق الدعاية الصهيونية فى الولايات المتحدة بإلقاء اللوم على المنظمات العربية والإسلامية والفلسطينية على وجه الخصوص فى محاولة لإلصاق هذا الاتهام فى تلك الأحداث الجسام على عاتق المنشق السعودى" أسامة بن لادن" المقيم فى أفغانستان وإتباعه، إلا أن الكثير من المحللين نفوا هذا الزعم، وأكدوا استحالة أن تكون تلك العملية من ترتيب أو تنفيذ أفراد أو منظمات ذات إمكانات محدود؛ "حيث أنها عملية عسكرية منظمة تستهدف الحكومة الفيدرالية الأمريكية ورموز القوة العسكرية الأمريكية وعناصر القوة الاقتصادية ممثلة فى سوق المال فى نيويورك، وأن أى قراءة محايدة للأحداث وضخامتها وتكنولوجياتها العالية تنبئ بأن الجماعات اليمينية فى الولايات المتحدة والمشهورة بتطرفها وقدراتها وإمكانياتها الواسعة لها دور كبير فى هذه الأحداث. التى مثلت نقطة التحول فى السياسة الأمريكية وعلاقاتها بغيرها من الدول شرقًا وغربًا، حيث وجدت أمريكا تبريرًا قويًا لسياستها الخارجية الغاشمة، حيث يرى بعض المفكرين أن الولايات المتحدة، اغتنمت فرصة ما جرى لتحقيق مزيد من المكاسب، "ويستدلون على هذا بمخططاتها للسيطرة على وسط أسيا وفى القلب منه أفغانستان بموقعها الحاكم، بما يزخر به من ثروة نفطية بل يقولون إن مخططات السيطرة هذه كانت معدة وستنفذ، سواء وقعت أحداث 11 سبتمبر أو لم تقع. ومن هنا طالبت العالم كله بالوقوف معها فى معركتها العسكرية والسياسية والاقتصادية مع جماعات الإرهاب وما أسمته "الدول المارقة" التى تمثل محور الشر (العراق، إيران، كوريا الشمالية)، وبالفعل بدأت أمريكا حملتها لمحاربة الإرهاب، وهو ما أشار إليه الرئيس الأمريكى "جورج دبليو بوش"() Geoege.w.Bush (1946- ) يوم 14 سبتمبر 2002 فى قوله بأن "مسئوليتنا تجاه التاريخ تتمثل فى الرد على الهجمات الإرهابية، وتخليص العالم منها، فقد ابتدأ الآخر بالصراع، ونحن الذين سننهيه فى الوقت الذى يروق لنا.
حرب العراق وسقوط نظام صدام حسين:
بعد أحداث سبتمبر 2001 فى نيويورك وواشنطن، وتوجيه الاتهام إلى تنظيم القاعدة، قامت قيامة الولايات المتحدة لتعلن الحرب العالمية على الإرهاب، واتبعت كافة الوسائل لمواجهة خطره الذى وصل إلى قلب الولايات المتحدة، فقررت ضرب الإرهاب عسكريًا فى معقله التى ترى أنه قاعدة للتعبئة، ومركز للتمويل والتدريب وهى تشير فى ذلك إلى العالمين العربى والإسلامى، "فاحتلت أفغانستان لتقضى على نظام طالبان، ثم بدأت حملتها فى التعبئة والتهيئة لاحتلال العراق من خلال التركيز على دكتاتورية نظام صدام حسين واضطهاده لشعبه، وزعم امتلاكه أسلحة كيماوية ونووية، وعلاقته بتنظيم القاعدة؛ حيث عبرت الإدارة الأمريكية عن قلقها بأن العراق ربما يزود تنظيم القاعدة بأسلحة بيولوجية أو كيماوية أو أسلحة نووية مع مرور الوقت، كل ذلك تهيئة، وتمهيد لاحتلال العراق والسيطرة على موارده النفطية الهائلة، وموقعه الجغرافى الاستراتيجى فى منطقة الشرق الأوسط وآسيا والعالم.
وأصبحت الأهداف الأمريكية فى عراق ما بعد "صدام حسين"، فرض الاستقرار فى البلاد، وخلق حكومة موالية لأمريكا فى بغداد", الأمر الذى يعتبر ضروريًا للمحافظة على القواعد العسكرية والاستخبارية التى أقامتها سلطة الاحتلال الأمريكى على أرض العراق.
ويتضح مما سبق أن الاتجاه الذى غلب على السياسة الأمريكية الخارجية، هو الاتجاه الواقعى البراجماتى، حيث أبت أمريكا إلا أن تجعل من لغة المصالح أساس حركتها فى سياستها مع الدول الأخرى، حتى لو غلفت تلك المصالح بغطاء من القيم والمثاليات.


الخميس، 26 يوليو 2012

أسباب التأييد الأمريكى لإسرائيل



اختلفت الآراء حول تحديد مبرر واضح ومحدد للتأييد الأمريكى للكيان الإسرائيلى فى المنطقة العربية، حيث يرجع بعض الباحثين هذا الارتباط الوثيق إلى دور اللوبى الصهيونى وتأثيره فى رسم سياسة الولايات المتحدة الخارجية المتعلقة بالشرق الأوسط "عن طريق تشكيل جماعات ضغط بالغة القوة، بوسعها أن تغير مجرى نشاط الساسة، وأن تتحكم فى الرأى العام، ففى الولايات المتحدة، يمكن للصوت اليهودى أن يمثل عاملا حاسمًا فى تحديد من يحصل على الأغلبية فى الانتخابات، والتى كثيرًا ما يكون الفوز فيها بفارق طفيف فى الأصوات نظر لتغيب عدد كبير من الناخبين عن الإدلاء بأصواتهم"([1]).
ويضاف إلى ذلك القدرة على التأثير فى الرأى العام، وهو ما يؤكده "دالاس"، حيث يقول "إنى أدرك كيف يكاد يستحيل تنفيذ سياسة خارجية فى الشرق الأوسط لا يقرها اليهود بسبب سيطرة اليهود المروعة على وسائل الإعلام الإخبارية، وبسبب السور الذى أقامه اليهود حول أعضاء الكونجرس الأمريكى"([2])، وأضاف "دالاس" قائلا: "إن ما يقلقنى هو نفوذ اليهود الذى يطغى على ساحتنا بصورة تامة يكاد يستحيل معها على الكونجرس أن يفعل شيئًا دون موافقتهم، فمن خلال أصحاب النفوذ من الشعب اليهودى، تفرض السفارة الإسرائيلية على الكونجرس ما تريده"([3]).
بينما ينفى البعض الآخر هذا الدور، ويعتبره تفسيرًا تبسيطيًا مريحًا، حيث لا يمثل اليهود أكثر من 2.5% من سكان أمريكا، فى محاولة لإثبات فرضية جديدة تقضى بأن "الانحياز الأمريكى لإسرائيل هو انحياز أساسه لاهوتى فى المقام الأول، فالتوراة فى المعتقدات الأمريكية هى مصدر الإيمان ولغتها وخيالاتها وتوجيهاتها الأخلاقية وتشكل جزءا لا يتجزأ من الشخصية الأمريكية([4])".
فالتراث الديني في أمريكا أصوله من المذهب البروتستانتي الذي نشأ مع حركة الإصلاح الديني التي قادها مارتن لوثر Martin Luther (1483-1546) في القرن السادس عشر ضد الكنيسة الكاثوليكية في روما.
لقد أحدثت حركة الإصلاح الديني تغييراً جوهرياً؛ بالمقارنة مع موقف الكنيسة الكاثوليكية في موقفها من اليهود؛ وبذلك أسهمت هذه الحركة في بعث اليهود من جديد وخاصة بعد أن "أصدر "لوثر" كتابه "عيسى ولد يهوديا" سنة 1523 وقال فيه إن اليهود هم أبناء الله وإن المسيحيين هم الغرباء الذين عليهم أن يرضوا بأن يكونوا كالكلاب التي تأكل ما يتساقط من فتات مائدة الأسياد. ويرى الكثير من الكتاب والمؤرخين أن هذه الفترة تعد الولادة الحقيقية والفعلية للمسيحية اليهودية، التى تقوم على تفضيل الطقوس العبرية في العبادة على الطقوس الكاثوليكية بالإضافة إلى دراسة اللغة العبرية على أساس أنها كلام الله. وتشير الكثير من المصادر التاريخية إلى أن رغبة "لوثر" الجامحة في إعادة الاعتبار لليهود و"تمسيحهم" كانت تعود لإيمانه العميق بضرورة وجودهم في هذا العالم تمهيدًا لعودة المسيح"([5]).
ويسعى أصحاب هذه الفرضية لتأكيدها بعرض حديث الرئيس الأمريكى "جيمى كارتر"(*) Jimmy Carter (1924-  ) حول الأساس اللاهوتى للتحيز الأمريكى الإسرائيلى والذى ألقاه أمام الكنيست الإسرائيلى بمناسبة توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية فى مصر سنة 1979 حيث قال: "لقد آمن وأظهر سبعة من رؤساء الجمهورية أن علاقة أمريكا بإسرائيل أكثر من علاقة خاصة، فهى علاقة متأصلة فى وجدان وأخلاق وديانة ومعتقدات الشعب الأمريكى نفسه، إننا نتقاسم معكم تراث التوراة"([6]).
وقد كان "كارتر" صادقًا فى قوله حيث كان الرئيس الأمريكى "جونسون" "من ضمن قائمة الرؤساء المعجبين بإسرائيل وكان يسره أن يقول لهم "لقد انبثق دينى من دينكم"([7]).
ومع وجوب وضع السببين السابقين فى الاعتبار إلا أن الباحث، يميل إلى رأى ثالث أقرب إلى الواقعية والاعتدال، حيث يرجع التأييد الأمريكى لإسرائيل إلى أسباب استراتيجية تتعلق بحماية مصالح أمريكا فى المنطقة العربية، وهو ما تؤكده دراسة أمريكية رسمية ترى "أن إسرائيل مؤسسة عسكرية متطورة ومتقدمة وتمتلك قدرة أمنية جيدة بالإضافة إلى موقعها الاستراتيجى، مما يساهم فى تحقيق الأهداف الأمريكية فى المنطقة، وهى ذخر وسند استراتيجى لأمريكا، فهى تقع على مقربة من الجناح الجنوبى لحلف شمال الاطلسى، وقريبة من الدول الصديقة لأمريكا، وعلى مقربة أيضا من المصادر النفطية فى الخليج، بالإضافة إلى امتلاكها وكالات استخبارات قادرة على تقديم مساعدة لمهمات عسكرية أمريكية"([8]).
ويرى الباحث أن هذا المبرر هو الأكثر منطقية وتمشيًا مع سياسة أمريكا البراجماتية، التى تتخذ من إسرائيل قاعدة عسكرية لحراسة آبار البترول العربية، ومواجهة النظم الثورية والاتحاد السوفيتى، بوصفها كيانًا مهيًأ تماما للدور الذى تريده وترسمه لها الولايات المتحدة من أجل حماية مصالحها، وتحقيق أهدافها السياسة فى المنطقة وهو ما يؤكده "وليام كوانت"  William Quant (مستشار الأمن القومى الأمريكى فى عهد الرئيسين نيكسون وكارتر) بقوله "من الواضح تمامًا أن الولايات المتحدة لا تنفق بلايين الدولارات على المساعدة العسكرية والاقتصادية لمجرد الشعور بالالتزام الأخلاقى تجاه إسرائيل، أو بسبب ضغط اثنين بالمائة من سكانها لابد أن هناك شيئًا أكثر واقعية ومادية، وهو أن إسرائيل يجب أن تكون مصدر قوة لأمريكا، ففى أسوأ الحالات تستطيع إسرائيل استخدام قوتها العسكرية لحماية مصالح الولايات المتحدة، لدرجة أنها قد تقدم القواعد للعمليات العسكرية الأمريكية أما فى الظروف الأقل إلحاحًا فقد كانت إسرائيل مفيدة كمعقل حصين ومعاد للسوفيت"([9]).
كما يدعم "شيمون بريز" Shimon Peres (رئيس وزراء إسرائيل السابق) هذا الرأى بتخيله لإسرائيل فى صورة رجل أمريكا فى منطقة الشرق الأوسط، وذلك من خلال شرحه لدورها فى رعاية المصالح الأمريكية حيث يقول: "تحقق الولايات المتحدة مزايا عديدة من دعمها الواسع لإسرائيل، فهزيمتنا لمصر أدت إلى تحويلها من حليف للسوفييت إلى حليف لأمريكا، كما أدى طردنا لمنظمة التحرير من لبنان إلى تدمير قاعدة مهمة للإرهاب الدولى.. ألا يخدم ذلك هيبة ومصالح الولايات المتحدة


([1]روجيه جارودى: الأساطير المؤسسة للسياسة الأمريكية، ترجمه محمد هشام، دار الشروق، القاهرة، 1998، ص 200.
([2]رضا هلال: المسيح اليهودى ونهاية العالم، المسيحية السياسية والأصولية فى أمريكا، مكتبة الشروق، القاهرة، 2002، ص 18.
([3]كامل كريم عباس: صورة الولايات المتحدة الأمريكية قبل وبعد احتلال العراق، دار الحنان للنشر والتوزيع، عمان 2010، ص76.
([4]المرجع السابق، ص76.
([5]رضا هلال: مرجع سبق ذكره، ص63.
(*)  امتدت فترة رئاسته من (1977 – 1981).
([6]المرجع السابق، ص19.
([7]إدوارد تيفن: مرجع سبق ذكره، ص67.
([8]هشام الدجانى: مرجع سبق ذكره، ص ص11، 12.
([9]المرجع السابق، ص12.

انعكاسات السياسة الأمريكية على خطاب النص المسرحي المصرى فى الفترة من 1970-2010



العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية والعرب علاقة قديمة مرت بالعديد من المراحل التى اعتمدت في المجمل على المصالح المشتركة وان ظل الانحياز الامريكي لإسرائيل عائقا امام تطويرها, وجاءت احداث الحادي عشر من سبتمبر لتزيد الهوة بين الجانبين و بين هذا وذاك العديد من المشاكل والقضايا التى تسببت في شقاق كبير في العلاقات وشكوك في النوايا الامريكية تجاه العرب، ويتشكل مسعى هذا البحث فى دراسة انعكاسات السياسة الأمريكية على خطاب النص المسرحى المصرى، مرتكزًا فى تحليله النقدى على منهج البنيوية التوليدية الذى حاول الجمع بين المضمون الاجتماعى للعمل الأدبى من ناحية، والقيمة الفنية لعناصره الداخلية من ناحية أخرى، بهدف الكشف عن إمكانات جديدة لفهم الخطاب المسرحى برؤية نقدية معاصرة، تصله بواقع اجتماعى ساهم فى إفرازه وإنتاج دلالاته.
وتكمن مشكلة هذا البحث فى الإجابة عن التساؤلات الآتية:
1- مااتجاهات السياسة الأمريكية فى ضوء علاقاتها مع العرب، وفقًا لنظريات علم الاجتماع السياسى؟
2- هل نجح منهج البنيوية التوليدية فى التعبير الأمثل عن العلاقة بين الأدب والمجتمع دون إغفال القيمة الفنية الداخلية للعمل الأدبى؟
3-  هل نجح كتاب المسرح المصرى فى ضوء علاقات التأثير والتأثر المتبادلة بين الفن والمجتمع فى رصد اتجاهات السياسة الأمريكية فى علاقتها مع العرب وتأثيراتها فى إدارة القضايا الراهنة؟
4-  ما مضمون الخطاب المسرحى فى هذا المجال وما  حجمه وتوجهه؟
5-  ما السمات العامة والملامح الخاصة للشخصية العربية والأمريكية فى نصوص المسرح المصرى التى تناولت العلاقات السياسية بين الطرفين؟
ويرتكز منهج البحث على الاتجاه الاجتماعى فى النقد )منهج البنيوية التوليدية(. كما تفرض طبيعة البحث الاستعانة بالمنهج التحليلى الوصفى.
وتأتى أهمية البحث فى محاولته تجميع أهم القضايا السياسية الشائكة فى إطار العلاقات الأمريكية العربية مثل(التأييد الأمريكى لإسرائيل: أسبابه ومظاهره- الشعارات الأمريكية الزائفة حول الحرية والديمقراطية- التدخل الأمريكى السافر فى شئون الدول العربية- دعم أمريكا للإرهاب الدينى المتطرف- الإدانة الأمريكية للعرب والمسلمين بعد حادث انفجار البرجين)، وانعكاسات كل هذه القضايا على خطاب النص المسرحى المصرى، بشكل شمولى فى مؤلف واحد؛ حيث خلت المكتبة المصرية من دراسة نقدية وافية حول هذا الموضوع، وجاء تعامل النقاد معها فى شكل مقالات نقدية متفرقة. 
وتأسيسًا على ما تقدم طُرحت الدراسة فى صورتها النهائية متضمنة أربعة فصول كالآتى:
الفصل الأول: بعنوان "الأسس النظرية للدراسةوقد حاول الباحث فى هذا الفصل عرض الأسس النظرية التى تستند عليها الدراسة، وذلك من خلال مبحثين قدم فى أولهما  مفهوم السياسة، وبعض المفاهيم المتعلقة بها، كالقوة والسلطة والردع والإرغام، وأهم المدارس الفلسفية لنظرية السياسة الخارجية، ثم تطرق إلى طبيعة العلاقات الأمريكية العربية – مجال الدراسة –.ومراحل تطورها
أما المبحث الثانى فقد تناول العلاقة الخصبة المتشابكة بين الأدب والواقع الاجتماعى، بدايةً من ارهاصاتها الأولى عند "أفلاطون" ، و"أرسطو" مرورًا بالتحليل الاجتماعى التقليدى للأدب فى ضوء نظرية الانعكاس وصولاً إلى منهج البنيوية التوليدية.
الفصل الثانى: بعنوان "قضية التحيز الأمريكى لإسرائيل وانعكاساتها على بنية النص المسرحى"، ويتناول هذا الفصل طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وانعكاساتها السلبية على القضية الفلسطينية، وذلك من خلال نص "ماذا حدث لليهودى التائه؟"، الذى استعرض فيه الكاتب "يسرى الجندى" دور الولايات المتحدة الأمريكية فى مساندة اسرائيل، وتأييدها لمشروع الكيان الصهيونى الغاصب، بما يتفق مع سياستها الواقعية القائمة على القوة والمنفعة الذاتية.          
الفصل الثالث: بعنوان "الحرية الزائفة فى ظل التبعية الأمريكية وانعكاساتها على الدراما المسرحية"، ويعكس هذا الفصل صورة للشعارات المزيفة التى تتشدق بها أمريكا فى المحافل الدولية حول الحرية والديمقراطية، وذلك من خلال نص "ماما أمريكا" للكاتب "مهدى يوسف" الذى أوضح فشل أمريكا فى إعلاء شأن الحرية وتدعيمها فى المحيط العربى، بما يتناقض مع ادعاءاتها الزائفة.
الفصل الرابع: بعنوان "ملامح السياسة الأمريكية بعد حادث سبتمبر وانعكاساتها على الدراما المسرحية" ويقدم الباحث فى هذا الفصل من خلال نص "الحادثة اللى جرت فى شهر سبتمبر" للكاتب "محمد أبو العلا السلامونى" انعكاسات السياسة الأمريكية بعد حادث انفجار البرجين فى الحادى عشر من سبتمبر- والذى كانت له انعكاسات سلبية - على منظومة العلاقات الأمريكية العربية.
 وقد توصل الباحث فى النهاية إلى مجموعة من النتائج يمكن إجمالها فيما يأتى:
1-    أوضح البحث من خلال عرضه لمراحل تطور العلاقات الأمريكية العربية، وآراء العديد من الباحثين والمؤرخين والساسة، أن السياسة الأمريكية الخارجية- عامة وفى علاقاتها مع العرب خاصة- تقوم على النظرية الواقعية التى تستند على مبادئ الفلسفة البراجماتية النفعية، وتربطها بمفهوم القوة والسلطة القهرية.
2-    أوضح البحث وظيفة المسرح المعرفية كمنشط لوعى المتلقى إزاء الممارسات السياسية الفاسدة، حيث نجح المسرح فى كشف القناع عن الوجه الحقيقى لأمريكا وسياستها القائمة على تغليب المصلحة الذاتية.
3-    أثبت البحث قدرة المسرح على تقديم حلولاً واقعية لبعض القضايا والمشكلات السياسية، فعلى سبيل المثال، قدمت النصوص المسرحية المختارة حلولاً جذرية لمواجهة ممارسات السياسة الأمريكية الفاسدة، عن طريق التثوير الجمعى ولم الشمل العربى، أو مقاضاة أمريكا فى محكمة العدل الدولية، ومنظمات السلام وحقوق الإنسان، أو تعبئة الرأى العام العالمى ضدها.   
4-    أظهرت النصوص المسرحية المختارة شخصية المواطن العربى فى صورة الثائر الساخط على السياسة الأمريكية بأنماطها المختلفة، كما أظهرت شخصية المتطرف الدينى الذى جندته أمريكا لصالحها مقابل اغرائه بمكاسب سياسية فضلا عن القاء الضوء على العلاقة الحميمة القائمة على تبادل المصالح بين بعض حكام الدول العربية وأمريكا، وعاقبة هذا الود الذى لن يدوم طويلاً.
5-    أظهرت النصوص المسرحية المختارة نمطين من أنماط الشخصية الأمريكية:
·     النمط الأول: الشخصية البراجماتية التى تستبيح أى شيء فى سبيل تحقيق مصالحها الذاتية.
·     النمط الثانى: الأمريكى الساخط على سياسات بلده ولا يجد غضاضة فى انتقادها، والدفاع عن الطرف الأضعف فى الصراع.