بقلم: د/ابراهيم حجاج مدرس بقسم الدراسات المسرحية بكلية الآداب جامعة الاسكندرية.
مرت هذه المرحلة بالعديد من الأحداث السياسية على المستوى العربى والعالمى، مما كان له الأثر فى حراك العلاقات العربية الأمريكية بشكل متذبذب هبوطًا، وصعودًا.
وأهم هذه الأحداث هى:
● معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل تحت المظلة الأمريكية.
● انهيار الاتحاد السوفيتى.
● انفجار برجى التجارة العالمية.
● حرب العراق وسقوط نظام صدام حسين.
معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل:
كان لنصر أكتوبر 1973 أثره الكبير على تغيير النظرة الأمريكية للدول العربية، بعد ما أظهرته من وحدة فى المجال السياسى والحربى والاقتصادى، ظهرت فعاليتها فى تعرض الولايات المتحدة الأمريكية فيها لعقوبات اقتصادية، وسياسية عربية بسبب تأييدها المطلق لإسرائيل، وكما يقول المؤرخ "جورج لنكزوسكى" G.Lenczowski: "أنه بسبب معاملتها التفضيلية ٍلإسرائيل، فإن الولايات المتحدة قد عانت من مقاطعة نفطية أحدثت حالة من الشلل تقريبًا، وعانى اقتصاد العالم الغربى بأكمله نتائج سلبية بسبب الارتفاع المذهل فى أسعار النفط. فقد بينت المقاطعة النفطية عام 1973 بوضوح القوة الاقتصادية العربية، والارتباط الوثيق بين النفط والسياسات الدولية.
وقد ظهر تغير الموقف الأمريكى حيال المنطقة العربية بعد حرب أكتوبر متمثلا فى نقطتين الأولى: إيجابيته تجاه إيجاد حلا عادلا للقضية الفلسطينية، والثانية: سعيه إلى التوصل لسلام دائم بين العرب وإسرائيل فى المنطقة.
فعلى مستوى القضية الفلسطينية طرأ على الموقف الأمريكى تغير لا بأس به لوحظ فى "تصريح الرئيس الأمريكى "جيمى كارتر"، خلال شهر مارس 1977 يعترف فيه لأول مرة بأنه من حق الفلسطينيين أن يكون لهم وطن قومى فى فلسطين. ولكن يجب ملاحظة أن هذه التغيرات التى طرأت على الموقف الأمريكى حيال القضية الفلسطينية صنعها العرب بأنفسهم. كما أن هذه التغيرات لا تعنى انحيازًا أمريكيًا للعرب على حساب إسرائيل، بقدر ما هى دعوة لتطبيق العدالة والخوف على إسرائيل من قوة العرب التى بزغت منذ حرب أكتوبر، وأصبحت تمثل القوة السادسة فى العالم باعتراف معاهد استراتيجية فى العالم.
أما على مستوى إحلال سلام شامل فى المنطقة، فيجب أن ننوه على أن بعد حرب أكتوبر طرأت على إسرائيل تغيرات سياسية متمثلة فى "فوز حزب الليكود فى الانتخابات الإسرائيلية عام 1977، وحزب الليكود يمثل تيارًا أقرب إلى الوسط من منافسه الرئيسى حزب العمل الإسرائيلى الذى هيمن على السياسة الإسرائيلية منذ المراحل الأولى لنشوء دولة إسرائيل وكان الليكود لا يعارض فكرة انسحاب إسرائيل من سيناء ولكنه كان رافضًا لفكرة الانسحاب من الضفة الغربية، وعلى الجانب الآخر بدأت ثقة الرئيس المصرى "محمد أنور السادات" تتزعزع بشأن ممارسة الولايات المتحدة أى ضغط ملموس على إسرائيل، هذا فى الوقت الذى أصيب فيه الاقتصاد المصرى بحالة من التدهور الشديد، مما مهد الطريق للسادات للتفكير "بأن على مصر أن تركز على مصالحها بدلا من مصالح مجموعة من الدول العربية، وكان "السادات" يأمل إلى أن أى اتفاق بين مصر وإسرائيل ستتبعه اتفاقات مشابهة للدول العربية الأخرى مع إسرائيل، وبالتالى سوف يؤدى إلى حل للقضية الفلسطينية.
وفى العام 1978 نجحت الولايات المتحدة فى حمل مصر وإسرائيل على التوقيع على اتفاقيتى "كامب ديفيد" الشهيرتين، واللتين كانت أول الطريق على توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل فى مارس 1979 "وكانت المحاور الرئيسية للاتفاقية هى: إنهاء حالة الحرب وإقامة علاقات ودية بين مصر وإسرائيل، وانسحاب إسرائيل من سيناء التى احتلتها عام 1967 بعد حرب الأيام الستة.
وقد أثارت اتفاقية كامب ديفيد غضب الرأى العام العربى والعالمى، فعلى سبيل المثال نشرت جريدة "القدس العربى" اللندنية "أن العرب لم يكونوا الوحيدين المقتنعين بأن الاتفاقية كانت تفريط فى منجزات النصر العسكرى العربى فى حرب أكتوبر، وأن تركيز السادات على استرجاع سيناء على حساب القضية الفلسطينية قد لقى انتقادات من الاتحاد السوفيتى ودول عدم الانحياز وبعض الدول الأوربية.
كما ساهمت هذه الاتفاقية فى تفكيك أواصر الوحدة العربية حيث تم فصل مصر عن العرب، "فقد عقدت القمة العربية فى بغداد فى نوفمبر 1978 وأعلنت رفضها لكامب ديفيد، وتعليق عضوية مصر ومقاطعتها تمامًا، وتم نقل مقر جامعة الدول العربية من القاهرة إلى تونس، واستمرت هذه المقاطعة تسع سنوات كاملة، حتى عادت العلاقات فى نوفمبر 1987 بالقمة التى عقدت فى عمان. وبذلك فقدت مصر رصيدًا كبيرًا فى قيادة العالم العربى، وضيعت إيجابيات الوحدة العربية التى حدثت بعد حرب 1973. وكانت أمريكا ترعى مباحثات السلام بقوة، وليس هذا بلا شك – من أجل مصلحة المصريين، وإنما كانت تحرص فى المقام الأول على مصلحة اليهود، وليس أدل على ذلك من التهديد الأمريكى الصريح لمصر، قبل يوم واحد من توقيع معاهدة السلام 1979 حيث تسلمت مصر من الولايات المتحدة رسالة تفيد "بتقديم الولايات المتحدة ما تراه لازمًا من مساندة لإسرائيل فى حالة انتهاك بنود المعاهدة خاصة إذا ما رئى أن هذه الانتهاك يهدد أمن إسرائيل، مثل تعزيز وجود الولايات المتحدة فى المنطقة، وتزويد إسرائيل بالشحنات العاجلة، والمساعدات العسكرية والاقتصادية لوضع حدًا للانتهاك.
ومن أجل اليهود عرضت أمريكا على مصر المساعدات الأمريكية (المعونة) لكى توقع الاتفاقية، ووقعت مصر، وجاءت المعونة التى بدأت ب 200 مليون دولار سنويًا، ثم أخذت فى الازدياد حتى فاقت المليار دولار سنويًا ثم تناقصت الآن من جديد، والثمن أن يكون توجهنا أمريكيًا خالصًا.
وقد صدق توقع الرئيس "محمد أنور السادات"، فما هى إلا سنوات وتحولت أمريكا إلى قطب واحد يتسابق الجميع إلى مصادقته وإتباعه وهو وضع لم يكن أبدًا على الساحة قبل معاهدة السلام.
واستمرت حالة التأييد الأمريكى المطلق لاسرائيل بعد معاهدة السلام، ففي سعي الرئيس الأمريكى "رونالد ريجان"() Ronald Reagan (1911-2004) لكسب الأصوات اليهودية حرص على "زيادة الروابط مع المؤسسات اليهودية الصهيونية في الولايات المتحدة قبل موعد الانتخابات الرئاسية وخلال حملته الانتخابية زار "ريجان" المنظمة اليهودية "بناي برث" في واشنطن عام1980م، وألقى خطابًا قال فيه: "إن إسرائيل ليست أمة فقط بل هي رمز ففي دفاعنا عن حق (إسرائيل) في الوجود إنما ندافع عن ذات القيم التي بنيت على أساسها أمتنا. وكان أهم موضوع في الحملة الانتخابية للمرشح "ريجان" هو مزاعمه بعجز إدارة "كارتر" في تقدير أهمية (إسرائيل) كرصيد استراتيجي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وفي مقال له في صخيفة "واشنطن بوست" ذكر أن وضع الولايات المتحدة سيكون أضعف في المنطقة بدون الأرصدة السياسية والعسكرية التي توفرها إسرائيل كقوة مستقرة، وكرادع للهيمنة الراديكالية.
انهيار الاتحاد السوفيتى:
بدأت الولايات المتحدة تشعر بخطر الشيوعية ليس على المصالح الأمريكية فى منطقة الشرق الأوسط فحسب بل على تلك المصالح فى العالم أجمع، خاصة "بعد أن كسبت الشيوعية الدولية انتصارات فى أنحاء العالم. وبدأت أمريكا استعداداتها فى الدفاع المستميت عن النظام الرأسمالى فى مواجهة نظام اشتراكى طفق يتوسع سريعًا ويجذب الكثير إلى النموذج الذى يسعى لإقامته، "حتى انتهى الأمر بانتصار نظامها وسقوط النظام الآخر بفعل أوجه ضعفه الداخلية فى المحل الأول، ومحاربة الولايات المتحدة له وإنهاكه واستنزافه فى سباقات التسلح وفى الصراعات الدولية ومحاصرته اقتصاديًا وتجاريًا.
وبانهيار المعسكر الاشتراكى، وانتهاء زمن القطبين، أصبحت للولايات المتحدة الهيمنة على العالم باعتبارها القوة العظمى الوحيدة اقتصاديًا وحضاريًا وعسكريًا، وعلى الجانب الآخر" حرم انهيار الاتحاد السوفيتى الفلسطينيين من قوة عظمى كانت نصيرًا وحاميًا لهم.
انفجار برجى التجارة العالمية:
بعد الأحداث غير المسبوقة التى تعرضت لها أمريكا فى 11 سبتمبر 2001، من جراء هجوم الطائرات الانتحارى على برجى مركز التجارة العالمى فى نيويورك، ووزارة الدفاع (البنتاجون) بواشنطن، خلطت الأوراق على الساحة الدولية، وأعلنت الحروب على الإرهاب الدولى؛ حيث "سارعت وسائل الإعلام الأمريكية، وأبواق الدعاية الصهيونية فى الولايات المتحدة بإلقاء اللوم على المنظمات العربية والإسلامية والفلسطينية على وجه الخصوص فى محاولة لإلصاق هذا الاتهام فى تلك الأحداث الجسام على عاتق المنشق السعودى" أسامة بن لادن" المقيم فى أفغانستان وإتباعه، إلا أن الكثير من المحللين نفوا هذا الزعم، وأكدوا استحالة أن تكون تلك العملية من ترتيب أو تنفيذ أفراد أو منظمات ذات إمكانات محدود؛ "حيث أنها عملية عسكرية منظمة تستهدف الحكومة الفيدرالية الأمريكية ورموز القوة العسكرية الأمريكية وعناصر القوة الاقتصادية ممثلة فى سوق المال فى نيويورك، وأن أى قراءة محايدة للأحداث وضخامتها وتكنولوجياتها العالية تنبئ بأن الجماعات اليمينية فى الولايات المتحدة والمشهورة بتطرفها وقدراتها وإمكانياتها الواسعة لها دور كبير فى هذه الأحداث. التى مثلت نقطة التحول فى السياسة الأمريكية وعلاقاتها بغيرها من الدول شرقًا وغربًا، حيث وجدت أمريكا تبريرًا قويًا لسياستها الخارجية الغاشمة، حيث يرى بعض المفكرين أن الولايات المتحدة، اغتنمت فرصة ما جرى لتحقيق مزيد من المكاسب، "ويستدلون على هذا بمخططاتها للسيطرة على وسط أسيا وفى القلب منه أفغانستان بموقعها الحاكم، بما يزخر به من ثروة نفطية بل يقولون إن مخططات السيطرة هذه كانت معدة وستنفذ، سواء وقعت أحداث 11 سبتمبر أو لم تقع. ومن هنا طالبت العالم كله بالوقوف معها فى معركتها العسكرية والسياسية والاقتصادية مع جماعات الإرهاب وما أسمته "الدول المارقة" التى تمثل محور الشر (العراق، إيران، كوريا الشمالية)، وبالفعل بدأت أمريكا حملتها لمحاربة الإرهاب، وهو ما أشار إليه الرئيس الأمريكى "جورج دبليو بوش"() Geoege.w.Bush (1946- ) يوم 14 سبتمبر 2002 فى قوله بأن "مسئوليتنا تجاه التاريخ تتمثل فى الرد على الهجمات الإرهابية، وتخليص العالم منها، فقد ابتدأ الآخر بالصراع، ونحن الذين سننهيه فى الوقت الذى يروق لنا.
حرب العراق وسقوط نظام صدام حسين:
بعد أحداث سبتمبر 2001 فى نيويورك وواشنطن، وتوجيه الاتهام إلى تنظيم القاعدة، قامت قيامة الولايات المتحدة لتعلن الحرب العالمية على الإرهاب، واتبعت كافة الوسائل لمواجهة خطره الذى وصل إلى قلب الولايات المتحدة، فقررت ضرب الإرهاب عسكريًا فى معقله التى ترى أنه قاعدة للتعبئة، ومركز للتمويل والتدريب وهى تشير فى ذلك إلى العالمين العربى والإسلامى، "فاحتلت أفغانستان لتقضى على نظام طالبان، ثم بدأت حملتها فى التعبئة والتهيئة لاحتلال العراق من خلال التركيز على دكتاتورية نظام صدام حسين واضطهاده لشعبه، وزعم امتلاكه أسلحة كيماوية ونووية، وعلاقته بتنظيم القاعدة؛ حيث عبرت الإدارة الأمريكية عن قلقها بأن العراق ربما يزود تنظيم القاعدة بأسلحة بيولوجية أو كيماوية أو أسلحة نووية مع مرور الوقت، كل ذلك تهيئة، وتمهيد لاحتلال العراق والسيطرة على موارده النفطية الهائلة، وموقعه الجغرافى الاستراتيجى فى منطقة الشرق الأوسط وآسيا والعالم.
وأصبحت الأهداف الأمريكية فى عراق ما بعد "صدام حسين"، فرض الاستقرار فى البلاد، وخلق حكومة موالية لأمريكا فى بغداد", الأمر الذى يعتبر ضروريًا للمحافظة على القواعد العسكرية والاستخبارية التى أقامتها سلطة الاحتلال الأمريكى على أرض العراق.
ويتضح مما سبق أن الاتجاه الذى غلب على السياسة الأمريكية الخارجية، هو الاتجاه الواقعى البراجماتى، حيث أبت أمريكا إلا أن تجعل من لغة المصالح أساس حركتها فى سياستها مع الدول الأخرى، حتى لو غلفت تلك المصالح بغطاء من القيم والمثاليات.
السبت، 4 أغسطس 2012
العلاقات العربية الأمريكية بعد حرب أكتوبر 1973 حتى بدايات القرن الحادى والعشرين.
الخميس، 26 يوليو 2012
أسباب التأييد الأمريكى لإسرائيل
اختلفت الآراء حول تحديد مبرر واضح ومحدد للتأييد الأمريكى للكيان الإسرائيلى فى المنطقة العربية، حيث يرجع بعض الباحثين هذا الارتباط الوثيق إلى دور اللوبى الصهيونى وتأثيره فى رسم سياسة الولايات المتحدة الخارجية المتعلقة بالشرق الأوسط "عن طريق تشكيل جماعات ضغط بالغة القوة، بوسعها أن تغير مجرى نشاط الساسة، وأن تتحكم فى الرأى العام، ففى الولايات المتحدة، يمكن للصوت اليهودى أن يمثل عاملا حاسمًا فى تحديد من يحصل على الأغلبية فى الانتخابات، والتى كثيرًا ما يكون الفوز فيها بفارق طفيف فى الأصوات نظر لتغيب عدد كبير من الناخبين عن الإدلاء بأصواتهم"([1]).
ويضاف إلى ذلك القدرة على التأثير فى الرأى العام، وهو ما يؤكده "دالاس"،
حيث يقول "إنى أدرك كيف يكاد يستحيل تنفيذ سياسة خارجية فى الشرق الأوسط لا
يقرها اليهود بسبب سيطرة اليهود المروعة على وسائل الإعلام الإخبارية، وبسبب السور
الذى أقامه اليهود حول أعضاء الكونجرس الأمريكى"([2])، وأضاف "دالاس" قائلا: "إن ما يقلقنى هو نفوذ اليهود الذى
يطغى على ساحتنا بصورة تامة يكاد يستحيل معها على الكونجرس أن يفعل شيئًا دون
موافقتهم، فمن خلال أصحاب النفوذ من الشعب اليهودى، تفرض السفارة الإسرائيلية على
الكونجرس ما تريده"([3]).
بينما ينفى البعض الآخر هذا الدور، ويعتبره تفسيرًا تبسيطيًا مريحًا، حيث
لا يمثل اليهود أكثر من 2.5% من سكان أمريكا، فى محاولة لإثبات فرضية جديدة تقضى
بأن "الانحياز الأمريكى لإسرائيل هو انحياز أساسه لاهوتى فى المقام الأول،
فالتوراة فى المعتقدات الأمريكية هى مصدر الإيمان ولغتها وخيالاتها وتوجيهاتها
الأخلاقية وتشكل جزءا لا يتجزأ من الشخصية الأمريكية([4])".
فالتراث الديني في أمريكا أصوله من المذهب البروتستانتي الذي نشأ مع حركة
الإصلاح الديني التي قادها مارتن لوثر Martin Luther
(1483-1546) في القرن السادس عشر ضد الكنيسة الكاثوليكية
في روما.
لقد أحدثت حركة الإصلاح الديني تغييراً جوهرياً؛ بالمقارنة مع موقف الكنيسة
الكاثوليكية في موقفها من اليهود؛ وبذلك أسهمت هذه الحركة في بعث اليهود من جديد وخاصة بعد أن "أصدر "لوثر" كتابه "عيسى ولد
يهوديا" سنة 1523 وقال فيه إن اليهود هم أبناء الله وإن المسيحيين هم
الغرباء الذين عليهم أن يرضوا بأن يكونوا كالكلاب التي تأكل ما يتساقط من فتات
مائدة الأسياد. ويرى الكثير من الكتاب والمؤرخين أن هذه الفترة تعد الولادة الحقيقية
والفعلية للمسيحية اليهودية، التى تقوم على تفضيل الطقوس العبرية في العبادة على
الطقوس الكاثوليكية بالإضافة إلى دراسة اللغة العبرية على أساس أنها كلام الله. وتشير الكثير من المصادر التاريخية إلى أن رغبة "لوثر"
الجامحة في إعادة الاعتبار لليهود و"تمسيحهم" كانت تعود لإيمانه العميق
بضرورة وجودهم في هذا العالم تمهيدًا لعودة المسيح"([5]).
ويسعى أصحاب هذه الفرضية لتأكيدها بعرض حديث الرئيس
الأمريكى "جيمى كارتر"(*) Jimmy Carter (1924- ) حول
الأساس اللاهوتى للتحيز الأمريكى الإسرائيلى والذى ألقاه أمام الكنيست الإسرائيلى
بمناسبة توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية فى مصر سنة 1979 حيث قال:
"لقد آمن وأظهر سبعة من رؤساء الجمهورية أن علاقة أمريكا بإسرائيل أكثر من
علاقة خاصة، فهى علاقة متأصلة فى وجدان وأخلاق وديانة ومعتقدات الشعب الأمريكى
نفسه، إننا نتقاسم معكم تراث التوراة"([6]).
وقد كان "كارتر" صادقًا فى قوله حيث كان الرئيس الأمريكى
"جونسون" "من ضمن قائمة الرؤساء المعجبين بإسرائيل وكان يسره أن
يقول لهم "لقد انبثق دينى من دينكم"([7]).
ومع وجوب وضع السببين السابقين فى الاعتبار إلا أن الباحث، يميل إلى رأى
ثالث أقرب إلى الواقعية والاعتدال، حيث يرجع التأييد الأمريكى لإسرائيل إلى أسباب
استراتيجية تتعلق بحماية مصالح أمريكا فى المنطقة العربية، وهو ما تؤكده دراسة
أمريكية رسمية ترى "أن إسرائيل مؤسسة عسكرية متطورة ومتقدمة وتمتلك قدرة
أمنية جيدة بالإضافة إلى موقعها الاستراتيجى، مما يساهم فى تحقيق الأهداف
الأمريكية فى المنطقة، وهى ذخر وسند استراتيجى لأمريكا، فهى تقع على مقربة من
الجناح الجنوبى لحلف شمال الاطلسى، وقريبة من الدول الصديقة لأمريكا، وعلى مقربة
أيضا من المصادر النفطية فى الخليج، بالإضافة إلى امتلاكها وكالات استخبارات قادرة
على تقديم مساعدة لمهمات عسكرية أمريكية"([8]).
ويرى الباحث أن هذا المبرر هو الأكثر منطقية وتمشيًا مع سياسة أمريكا البراجماتية،
التى تتخذ من إسرائيل قاعدة عسكرية لحراسة آبار البترول العربية، ومواجهة النظم
الثورية والاتحاد السوفيتى، بوصفها كيانًا مهيًأ تماما للدور الذى تريده وترسمه
لها الولايات المتحدة من أجل حماية مصالحها، وتحقيق أهدافها السياسة فى المنطقة
وهو ما يؤكده "وليام كوانت" William Quant (مستشار الأمن القومى
الأمريكى فى عهد الرئيسين نيكسون وكارتر) بقوله "من الواضح تمامًا أن
الولايات المتحدة لا تنفق بلايين الدولارات على المساعدة العسكرية والاقتصادية
لمجرد الشعور بالالتزام الأخلاقى تجاه إسرائيل، أو بسبب ضغط اثنين بالمائة من
سكانها لابد أن هناك شيئًا أكثر واقعية ومادية، وهو أن إسرائيل يجب أن تكون مصدر
قوة لأمريكا، ففى أسوأ الحالات تستطيع إسرائيل استخدام قوتها العسكرية لحماية
مصالح الولايات المتحدة، لدرجة أنها قد تقدم القواعد للعمليات العسكرية الأمريكية
أما فى الظروف الأقل إلحاحًا فقد كانت إسرائيل مفيدة كمعقل حصين ومعاد للسوفيت"([9]).
كما يدعم "شيمون بريز" Shimon Peres (رئيس وزراء إسرائيل السابق) هذا الرأى بتخيله لإسرائيل
فى صورة رجل أمريكا فى منطقة الشرق الأوسط، وذلك من خلال شرحه لدورها فى رعاية
المصالح الأمريكية حيث يقول: "تحقق الولايات المتحدة مزايا عديدة من دعمها
الواسع لإسرائيل، فهزيمتنا لمصر أدت إلى تحويلها من حليف للسوفييت إلى حليف
لأمريكا، كما أدى طردنا لمنظمة التحرير من لبنان إلى تدمير قاعدة مهمة للإرهاب
الدولى.. ألا يخدم ذلك هيبة ومصالح الولايات المتحدة
انعكاسات السياسة الأمريكية على خطاب النص المسرحي المصرى فى الفترة من 1970-2010
العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية والعرب علاقة قديمة مرت بالعديد من المراحل التى اعتمدت في المجمل على المصالح المشتركة وان ظل الانحياز الامريكي لإسرائيل عائقا امام تطويرها, وجاءت احداث الحادي عشر من سبتمبر لتزيد الهوة بين الجانبين و بين هذا وذاك العديد من المشاكل والقضايا التى تسببت في شقاق كبير في العلاقات وشكوك في النوايا الامريكية تجاه العرب، ويتشكل مسعى هذا البحث فى دراسة انعكاسات السياسة الأمريكية على خطاب النص المسرحى المصرى، مرتكزًا فى تحليله النقدى على منهج البنيوية التوليدية الذى حاول الجمع بين المضمون الاجتماعى للعمل الأدبى من ناحية، والقيمة الفنية لعناصره الداخلية من ناحية أخرى، بهدف الكشف عن إمكانات جديدة لفهم الخطاب المسرحى برؤية نقدية معاصرة، تصله بواقع اجتماعى ساهم فى إفرازه وإنتاج دلالاته.
وتكمن مشكلة هذا البحث
فى الإجابة عن التساؤلات الآتية:
1- مااتجاهات السياسة الأمريكية فى ضوء علاقاتها مع
العرب، وفقًا لنظريات علم الاجتماع السياسى؟
2- هل نجح منهج
البنيوية التوليدية فى التعبير الأمثل عن العلاقة بين الأدب والمجتمع دون إغفال
القيمة الفنية الداخلية للعمل الأدبى؟
3- هل نجح كتاب المسرح المصرى
فى ضوء علاقات التأثير والتأثر المتبادلة بين الفن والمجتمع فى رصد اتجاهات
السياسة الأمريكية فى علاقتها مع العرب وتأثيراتها فى إدارة القضايا الراهنة؟
4- ما مضمون
الخطاب المسرحى فى هذا المجال وما حجمه
وتوجهه؟
5- ما السمات
العامة والملامح الخاصة للشخصية العربية والأمريكية فى نصوص المسرح المصرى التى
تناولت العلاقات السياسية بين الطرفين؟
ويرتكز منهج البحث على الاتجاه الاجتماعى فى النقد )منهج البنيوية التوليدية(.
كما تفرض طبيعة البحث الاستعانة بالمنهج التحليلى الوصفى.
وتأتى أهمية البحث فى محاولته تجميع
أهم القضايا السياسية الشائكة فى إطار العلاقات الأمريكية العربية مثل(التأييد
الأمريكى لإسرائيل: أسبابه ومظاهره- الشعارات الأمريكية الزائفة حول الحرية
والديمقراطية- التدخل الأمريكى السافر فى شئون الدول العربية- دعم أمريكا للإرهاب
الدينى المتطرف- الإدانة الأمريكية للعرب والمسلمين بعد حادث انفجار البرجين)،
وانعكاسات كل هذه القضايا على خطاب النص المسرحى المصرى، بشكل شمولى فى مؤلف واحد؛
حيث خلت المكتبة المصرية من دراسة نقدية وافية حول هذا الموضوع، وجاء تعامل النقاد
معها فى شكل مقالات نقدية متفرقة.
وتأسيسًا على ما تقدم طُرحت الدراسة
فى صورتها النهائية متضمنة أربعة فصول كالآتى:
الفصل الأول: بعنوان "الأسس النظرية للدراسة"،
وقد حاول الباحث فى هذا الفصل عرض الأسس النظرية التى تستند عليها الدراسة،
وذلك من خلال مبحثين قدم فى أولهما مفهوم
السياسة، وبعض المفاهيم المتعلقة بها، كالقوة والسلطة والردع والإرغام، وأهم
المدارس الفلسفية لنظرية السياسة الخارجية، ثم تطرق إلى طبيعة العلاقات الأمريكية
العربية – مجال الدراسة –.ومراحل تطورها
أما المبحث الثانى فقد
تناول العلاقة الخصبة المتشابكة بين الأدب والواقع الاجتماعى، بدايةً من ارهاصاتها
الأولى عند "أفلاطون" ، و"أرسطو" مرورًا بالتحليل الاجتماعى
التقليدى للأدب فى ضوء نظرية الانعكاس وصولاً إلى منهج البنيوية التوليدية.
الفصل الثانى: بعنوان "قضية التحيز الأمريكى لإسرائيل وانعكاساتها على بنية
النص المسرحى"، ويتناول هذا
الفصل طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وانعكاساتها
السلبية على القضية الفلسطينية، وذلك من خلال نص "ماذا حدث لليهودى
التائه؟"، الذى استعرض فيه الكاتب "يسرى الجندى" دور الولايات
المتحدة الأمريكية فى مساندة اسرائيل، وتأييدها لمشروع الكيان الصهيونى الغاصب، بما
يتفق مع سياستها الواقعية القائمة على القوة والمنفعة الذاتية.
الفصل الثالث: بعنوان "الحرية
الزائفة فى ظل التبعية الأمريكية وانعكاساتها على الدراما المسرحية"، ويعكس هذا الفصل صورة للشعارات المزيفة التى تتشدق بها أمريكا فى المحافل
الدولية حول الحرية والديمقراطية، وذلك من خلال نص "ماما أمريكا" للكاتب
"مهدى يوسف" الذى أوضح فشل أمريكا فى إعلاء شأن الحرية وتدعيمها فى
المحيط العربى، بما يتناقض مع ادعاءاتها الزائفة.
الفصل الرابع: بعنوان "ملامح
السياسة الأمريكية بعد حادث سبتمبر وانعكاساتها على الدراما المسرحية" ويقدم الباحث فى هذا الفصل من خلال نص "الحادثة اللى جرت فى شهر
سبتمبر" للكاتب "محمد أبو العلا السلامونى" انعكاسات السياسة
الأمريكية بعد حادث انفجار البرجين فى الحادى عشر من سبتمبر- والذى كانت له انعكاسات
سلبية - على منظومة العلاقات الأمريكية العربية.
وقد توصل الباحث فى النهاية إلى مجموعة من
النتائج يمكن إجمالها فيما يأتى:
1- أوضح البحث من خلال عرضه لمراحل تطور العلاقات الأمريكية
العربية، وآراء العديد من الباحثين والمؤرخين والساسة، أن السياسة الأمريكية الخارجية-
عامة وفى علاقاتها مع العرب خاصة- تقوم على النظرية الواقعية التى تستند على مبادئ
الفلسفة البراجماتية النفعية، وتربطها بمفهوم القوة والسلطة القهرية.
2- أوضح البحث وظيفة المسرح المعرفية كمنشط لوعى المتلقى إزاء
الممارسات السياسية الفاسدة، حيث نجح المسرح فى كشف القناع عن الوجه الحقيقى لأمريكا
وسياستها القائمة على تغليب المصلحة الذاتية.
3- أثبت البحث قدرة المسرح على تقديم حلولاً
واقعية لبعض القضايا والمشكلات السياسية، فعلى سبيل المثال، قدمت النصوص المسرحية المختارة
حلولاً جذرية لمواجهة ممارسات السياسة الأمريكية الفاسدة، عن طريق التثوير الجمعى ولم
الشمل العربى، أو مقاضاة أمريكا فى محكمة العدل الدولية، ومنظمات السلام وحقوق الإنسان،
أو تعبئة الرأى العام العالمى ضدها.
4- أظهرت النصوص المسرحية المختارة شخصية
المواطن العربى فى صورة الثائر الساخط على السياسة الأمريكية بأنماطها المختلفة، كما
أظهرت شخصية المتطرف الدينى الذى جندته أمريكا لصالحها مقابل اغرائه بمكاسب سياسية
فضلا عن القاء الضوء على العلاقة الحميمة القائمة على تبادل المصالح بين بعض حكام الدول
العربية وأمريكا، وعاقبة هذا الود الذى لن يدوم طويلاً.
5- أظهرت النصوص المسرحية المختارة نمطين
من أنماط الشخصية الأمريكية:
·
النمط
الأول: الشخصية البراجماتية التى تستبيح أى شيء فى سبيل تحقيق مصالحها الذاتية.
·
النمط
الثانى: الأمريكى الساخط على سياسات بلده ولا يجد غضاضة فى انتقادها، والدفاع عن الطرف
الأضعف فى الصراع.
الثلاثاء، 29 مايو 2012
السقطة
التراجيدية بين مبارك والاخوان المسلمين:
السقطة
التراجيدية مصطلح فى الأدب اليونانى يعنى الثغرة التى ينفذ منها البطل إلى مصيره
المأساوى وعادة ما تكون عيب أخلاقى (تهور- أنانية - جشع - طموح غير مشروع) ، وبالرغم من
السقطات العديدة للرئيس السابق محمد حسنى مبارك إلا أننى أرى أن سقطته البارزة هى
استحواذه المطلق للسلطة بشكل فج أثار حفيظة الشعب المصرى وقد ظهر ذلك جليا من خلال
انتخابات مجلس الشعب الأخيرة وسياسة التوريث، وبالرغم من علمنا بقيمة التاريخ فى
استخلاص العبر والمواعظ وبالرغم من أن مأساة مبارك لم يمر عليها إلا شهور إلا أن
الاخوان المسلمين لم تعتبر وأراها تقع فى نفس السقطة التراجيدية بدءً من انتخابات
مجلس الشعب مرورأ باللجنة التأسيسية وصولا إلى انتخابات الرئاسة ومخالفة وعدهم
بعدم خوضها، مصر أحوج ما تكون الى سلطة ائتلافية بعيدا عن أطماع الحكم حتى لا نعود
الى ديكتاتورية النظام السابق وليتنا نتعظ من أخطاء الغير.
الأحد، 15 أبريل 2012
العلاقة بين الأدب والمجتمع فى ضوء نظرية الانعكاس |
وفى مجال الحديث عن كثافة الارتباط بين المسرح و تصوير الصراع الاجتماعى ، فقد بدأ الحديث عن عنصر الصراع بوجه عام ، بوصفه المقوم الرئيسى للعمل المسرحى ، فى أواخر القرن التاسع عشر ، فشمل كل أنواع الصراع :الاجتماعى والشخصى (الصراع بين الأفراد) والنفسى.ولكنه لم يلبث أن تدرج بعد ذلك ليصبح النوع الاجتماعى من هذا الصراع هو المقصود بصفة أساسية حين يأتى ذكر العلاقة بين المسرح والمجتمع.(1)
ويمكن لنا أن نقسم المذاهب النقدية التى تناولت هذه العلاقة ـ من منظور فلسفى ـ إلى نقد يتجه نحو الواقعية ، وآخر يتجه نحو المثالية حيث يعتمد النقد الواقعى بدوره على النظريات الفلسفية المادية التى تستخدم العلوم التجريبية والتحليل العلمى وطرح الخيال والعاطفة مرتكزة على الشرط الاجتماعى.(2)
ويعتبر "جورج لوكاش" G.LUCKACS فيلسوف الواقعية الأكبر فى النصف الأول من القرن العشرين هو المنظر الأساسى لمبادئ المدرسة الجدلية التى تعود إلى الفيلسوف الألمانى " هيجل " HEGEL ورأيه الذى بلوره فيما بعد " ماركس " MARX فى العلاقة بين البنى التحتية ( علاقات الإنتاج وقوى الإنتاج ) والبنى الفوقية (الثقافة والفنون والفلسفة ) ، حيث أوضح أن هذه العلاقة متبادلة ومتفاعلة مما يجعلها علاقة جدلية قائمة على التأثير والتأثر .
بمعنى أن أى تغيير فى البناء الاقتصادى والاجتماعى يؤدى إلى تغيير فى شكل الوعى أو مجمل البناء الفوقى الذى يعود فيؤثر فى البناء التحتى من خلال تثبيته أو تعديله أو تغييره ، فالواقع المادى فى تفاعل مستمر مع الأفكار . والتغيرات التى تحدث فى المجتمع نتيجة للتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية كلها تؤثر فى الوضع الإنسانى ومن ثم فى شكل الدراما ومضمونها ، وهذا يعنى أن الأدب انعكاسً للواقع الاجتماعى . (3)
هذا ، وكان يظن قبل ظهور الفلسفة المادية أن البنية الفوقية للمجتمع تتطور على نحو مستقل ومتميز كل التميز عن البنية التحتية حتى ربطته تلك الفلسفة بعضه ببعض وفسرته بعد وصله بتطور المجتمع .
"وخلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين أدرك بعض علماء الاجتماع أهمية إيجاد فرع متخصص من فروع المعرفة السوسيولوجية لدراسة الأدب باعتباره ظاهرة اجتماعية مثل باقى الظواهر الاجتماعية الأخرى ، وأطلق على هذا الفرع الجديد من الدراسة أسم ( علم اجتماع الأدب ) "(4)
وقد أكد هذا العلم الجديد على أن الأدب ليس نتاجا فرديا ، بل هو ضرب من ضروب الإنتاج الجماعى ، ومن هنا يتضح أهمية المجتمع فى عملية الإبداع الفنى بشكل عام ، والإبداع الأدبى بشكل خاص ، فالأدب يتأثر بالأوضاع الاجتماعية والتاريخية ، وهو مشروط بالظروف الاجتماعية والتاريخية . والعلاقة بين الأدب والمجتمع هى أولا وأخيرا علاقة تأثير وتأثر ، ولقد أكد عالم الاجتماع الفرنسى "إميل دور كايم" E.durkherm على اجتماعية الظاهرة الأدبية بقوله " أن الأدب ظاهرة اجتماعية ، وإنه إنتاج نسبى يخضع لظروف الزمان والمكان ، وهو عمل له أصول خاصة به وله مدارسه ولا يبنى على مخاطر العبقرية الفردية، وهو اجتماعى أيضا من ناحية انه يتطلب جمهورا يعجب به ويقدره . " (5)
والمسرح بوصفه أحد الأجناس الأدبية يعتبر " أكثر الفنون ارتباطاً بالحياة فهو نشاط إنتاجى جماعى جدلى تتحول فيه الممارسة الإبداعية إلى ممارسة اجتماعية معرفية عبر عمليات الإرسال والتلقى وإعادة إنتاج الدلالة بصورة مستمرة مع كل عرض فى سياق توأمة الحوار الدائم مع الواقع المتغير." (6)
وأكثر النظريات تمثيلا لهذا الاتجاه هى " نظرية الانعكاس " والتى تهتم بالعلاقات والنظم المادية داخل المجتمع ثم تبحث فى طبيعة الصلات والعلاقات والمتبادلة بين المجتمع والأدب من خلال رصد التأثيرات المتبادلة بينها ، تلك الوظيفة التى يبلورها د/ أبو الحسن سلام فى مجال المسرح فيعرفها على أنها " قصر غاية التلقى على الانعكاسات المتبادلة للمجتمع إرسالا واستقبالا مؤكدا على امتطاء الذات الاجتماعية لعلاقات الإنتاج وانعكاسات الصراع الطبقى على بنية النص أو العرض المسرحى " (7) ويتأكد هذا المعنى من خلال كلمات "ماركس " Marx حين يقول : أن الأدب والفن هما سلاح الطبقة ففى المجتمع المقسم إلى طبقات يعكس الأدب والفن بطريقة مباشرة ، أو غير مباشرة معنويات طبقة معينة ، وآرائها السياسية وذوقها الجمالى." (8)
ذلك أن ما طرأ على المجتمع الإنسانى من تطور اقتصادى وسياسى وفكرى فى مطلع القرن العشرين ، وما لحق به من حروب طاحنة عالمية ومحلية وما استجد من نظم سياسية وما خاضته بعض الدول من ثورات وصراعات لنيل الحرية والاستقلال كل ذلك فرض على الأديب دورا فعالا فى المجتمع الذى يعيش فيه والمشاركة فى قضاياه بما يضمن مواجهة الفساد . فالأدب ـ فى نظر الباحثين ـ أداه من أدوات الاصلاح الاجتماعى بوصفة وسيله من وسائل الدعاية الثورية ضد الممارسات الفاسدة (9). ولا يختلف اثنان فى أن هذه الوظيفة التنويرية للأدب هى التى تستهدفها نظرية الانعكاس وهى التى نادى بها الفلاسفة والمفكرون منذ أقدم العصور حيث يؤكد سقراط Socrates على أن "الفن سواء ما كان فنا جميلا أو فنا صناعيا له وظيفة تخدم الحياة الإنسانية والأخلاقية." (10)
وإذا تتبعنا الجذور التاريخية للعلاقة بين الأدب والمجتمع سنجد أن مفهوم الانعكاس يضرب بجذوره فى أعماق الماضى وأن الفكرة التى مؤداها أن الأدب يعكس المجتمع ويصور الواقع الاجتماعى ليست بالفكرة الجديدة بل هى قديمة قدم مفهوم أفلاطون Plato عن المحاكاة .
فقد أشار أفلاطون إلى مفهوم " المرآة التى توضع أمام الطبيعة لتمثل فكرة انعكاس الحياة فى الأدب وأستخدم أرسطو أيضا مفهوم المحاكاة حيث أكد على أن الفنون بصفة عامة تعد محاكاة للواقع وأصبحت هذه الفكرة مألوفة بعد ذلك فى النقد الأدبى ابتداء من عصر شيشرون الرومانى حيث استخدم مصطلح " مرآة العادات " أى أن الاعمال الفنية والأدبية تصور العادات والتقاليد المجتمعية واستخدم هذا المفهوم أيضا لدى نقاد العصور الوسطى وكانت تشير فى هذه الحقبة إلى نوع تعليمى انتشر منذ القرن الثالث عشر حتى القرن الخامس عشر وتقدم أعمال هذا النوع لطبقات مختلفة من الأفراد مثل "مرآة العذارى" "مرآة الراهبات" ....... الخ والمرآة هنا لا تعنى ما هم علية بل ما يجب أن يكونوا عليه ، وبعكس العرف السائد حاليا كانت وظيفة المرآة حين ذاك معيارية وليست تصويرية وقد استخدم شكسبير مفهوم " المرآة والانعكاس " فى مسرحه حيث كان يؤكد على واقعية الفن الذى يجب أن يكون ـ على حد تعبيره ـ انعكاسا للحياة لا تحريفا لها . (11)
ومن المثير للدهشة فى هذا العرض التاريخى الوجيز أن أفلاطون أستاذ المثالية الأول والذى أقصى الشعراء من مدينته الفاضلة قد اعترف بوظيفة الفن الاجتماعية والسياسية فقد ذكر فى كتابه " القوانين " Laws " أن الفن يساهم فى تكوين المواطنين ، ويقوى المجتمع برابطة تصل كل منا بالآخرين . " (12)
وما إن ظهر مصطلح الواقعية فى الأدب فى منتصف القرن التاسع عشر حتى صار تعبير "أن الفن انعكاس أمين للطبيعة " شعارا لها (13) واعتبرت الفن المقبول والذى تباركه هو ما كان مرتبطا بالمجتمع مقدما له ما يتفاعل معه ويغير منه ، وعلى هذا المعتقد فإن الأديب عليه أن يغترف مادته من المنهل العام للمجتمع وأن يغمس قلمه فى مشكلاته وان تكون لديه القدرة على الإحساس بتموجات الحياة الاجتماعية والرصد الدقيق لخلجات المجتمع والاستكشاف الواعى لقضاياه من خلال رؤية ثاقبة وحس مرهف فالتجربة الأدبية تنشأ فردية آنية ، ولكنها لا يمكن أن تبلغ مداها وتحقق ذاتها إلا إذا خرجت من حدود الفرد إلى المجتمع ، ومن الواقع الخاص إلى الواقع العام وغدت المشكلة فى نفس الأديب رمزاً للمشكلة فى ضمير الإنسانية لان المجتمع هو مجال تكامل التجربة الأدبية ، كما انه هو مجال تكامل الفرد .
وترجع أول معالجة حقيقية للعلاقة بين الأدب والمجتمع إلى الفيلسوف الفرنسى "هيبوليت تين" H.taine وعلى غرار سابقيه أمثال "أوجست كونت" Auguste conte 1798 ـ 1856 مؤسس الفلسفة الوضعية وأول من صك مصطلح علم الاجتماع . حاول تين إخضاع الأدب والفن إلى أسس مادية مستقاة من المجتمع تعكس حقائق مؤكدة ومحددة، حيث يرى أن الأعمال الأدبية ينبغى أن تفهم على أنها نتيجة أو محصلة ثلاثة عوامل متمازجة العصر ، والجنس (العرق) ، والبيئة . (14)
فإذا بدأنا بالجنس سنجد أن تين taine قد عرفه فى ضوء السمات النظرية والوراثية والمزاج الانفعالى حيث أشار إلى أن هناك اختلافا واسع النطاق بين الأجناس البشرية بعضها البعض من حيث الظروف المعيشة و الموطن الأصلى والأصل التاريخى .. الخ "حيث يكتسب الجنس الخصائص المميزة له من البيئة الطبيعية والعادات والتقاليد المتوارثة والأحداث التاريخية التى مر بها فى أصله .فضلاً عن الدوافع والرغبات الدفينة التى تلعب دوراً هاماً فى صياغة الفعل الإنسانى وتطويره " . (15)
وبالنسبة للعصر وهو العامل الثانى الذى يحدد شكل ومضمون الأدب ـ كما أشار تين ـ فقد قصد به الأفكار والمفاهيم الإنسانية المسيطرة على روح العصر المنتج للعمل الأدبى وأخيرا أكد تين على دور البيئة كعامل أساسى فى تحديد شكل ومضمون الأجناس الأدبية وتعنى البيئة أشياء كثيرة كالمناخ والجغرافيا الطبيعية والنظم الاجتماعية التى تحتضنها هذه البيئة .
أما نظرية الانعكاس فقد ارتبطت بالمعنى الحرفى لها بـ " لينين " حيث أكد أن إحساسنا وشعورنا ليس سوى صورة للعالم الخارجى وهذا القول يؤكد على أن الاعمال الفنية ـ بصفة عامة ـ ما هى إلا انعكاس للواقع وان الأدب ـ بصفة خاصة ـ مرآه تصور الواقع الاجتماعى فى تناقضه وتعقده ولذلك كان " تولستوى " عند " لينين " مرآة الثورة الروسية لعام 1917 حيث كان مرآة حقيقية لتلك الظروف المتناقضة التى أحاطت بنشاط الفلاحين التاريخى فى هذه الثورة .(16)
ويرى ماركس Marx "أن الإنسان كائن اجتماعى ينبع إبداعه من نشاطه العملى ويطرأ عليه التغير والتبدل بعمله على تغيير الطبيعة وتبديلها."(17)
إن كلمات ماركس تحمل إشارة واضحة للدور الوظيفى للفن فى المجتمع ذلك الدور الذى يؤكده عالم الانثروبولوجيا الفرنسى " ليفى شتراوس" Levi Strauss فى عبارة لها مغزاها ودلالاتها العميقة حيث يقول :
" إن الزهرة التى تنمو فى البرارى دون أن يشعر بوجودها أحد لا تعنى شيئا على الإطلاق ولكنها تكتسب معنى محددا ، وتؤدى رسالة واضحة للجميع ، حين تصبح جزءا فى إكليل الزهور الذى يرسل فى تشييع الجنازات ، أو فى تكوين باقات الزهور التى ترسل للمشاركة فى الأفراح ."(18)
وبالقياس على الفنان نجد أن وجوده الفعال يتحدد بمدى تعايشه لواقعة الاجتماعى والمشاركة فى قضاياه بعرضها والدفاع عنها أو معارضتها من وجهة نظر حرة حريصة على قيام العدالة والمساواة والحرية بهدف الاصلاح والتغيير .
ولا شك أن الأدب كما يقرر رينيه ويليك " نظام اجتماعى يصطنع اللغة وسيطاً له ، واللغة إبداع اجتماعى وإذا كان الأدب يمثل الحياة فإن الحياة ذاتها حقيقة اجتماعية.(19)والكاتب المسرحى حينما يصور لنا كائنا إنسانيا كاملا فهو لا يعيد تصوير الإنسان فقط بل يعيد تصوير المجتمع الذى ينتمى إليه هذا الإنسان . وهذا المجتمع ليس إلا ذرة من الكون ومن ثمة فالفن الذى خلق هذا الإنسان يعكس لنا الكون كله." (20)
ويفسر "بول فاليرى" Paul valery العلاقة بين الفنان وبين الآخرين فيؤكد أن الفنان فى أثناء عملية الخلق الفنى يضع نصب عينيه الذين سيتوجه إليهم بعمله ومدى تأثيره فيهم فيقول : إن المبدع هو ذلك الشخص الذى بإمكانه أن يدع الآخرين يبدعون ، فالفنان والمتلقى يتشاركان بفاعلية وتتحدد قيمة العمل الفنى من خلال هذه العلاقة التبادلية بين كلا منهما . وفى المسرح إذا لم تكن هناك علاقة تفاعل بين خشبة المسرح والمشاهدين فإن المسرحية تموت أو تصبح رديئة أو لم يعد لها وجود على الإطلاق.(21)
وبناءً على ذلك فإن الكاتب عندما يبدأ بالتفكير فى عمل فنى يبدأ بحساب التأثيرات الخارجية، فهو يهتم عن وعى أو غير وعى بالأشخاص الذين سيتأثرون بعمله ، ويكون لنفسه فكرة عن هؤلاء الذين يتجه إليهم كما يتصور من ناحية ثانية الوسائل التى يمكنه أن يحصل عليها لتحقيق هذا التأثير .
ويشير جان دوفينو jean duvignaud ( عالم اجتماع فى مجال المسرح ) إلى محور آخر من محاور العلاقة بين الأدب والمجتمع ،حث "يعتبر الدراما نوعاً من الميزان الثقافى الذى يسجل أزمة القيم والمعايير الأخلاقية لعصر معين ويظهر فضائح الخلاف مع الأخلاق الرسمية " (22)
وقد تناول نقاد الأدب العربى العلاقة بين الأدب والمجتمع بالبحث والتحليل فيؤكد "طه حسين " على أن كل أديب لا يستقى مادته وروحه من حياة الشغب فليس أديبا ، ولا هو بكاتب للأدب وعلى ذلك فلابد من أن تعرف ماذا يقول الشعب وكيف يعيش الشعب وكيف يحكى حكاياته وأقاصيصه ولابد للأدباء من دراسة الأدب والحياة فى البيئات المختلفة للناس، ويرى "أحمد أمين" فى كتابه " النقد الأدبى " أن الأديب ليس حقيقة مفردة مستقلة منعزلة ، بل له صلاته التى تربطه بالماضى والحاضر ، وأفكار الشاعر أو الأديب هى لدرجة كبيرة وليدة البيئة ، وعلى ذلك فخير تعريف للأدب انه التعبير عن الحياة ، أو بعضها ، بعبارة جميلة . وإلى شيء من هذا يذهب " محمد حسين هيكل " فيعرف الأدب بأنه فن جميل غايته تبليغ الناس رسالة ما فى الحياة من حق وجمال بواسطة الكلام إن "طه حسين " ، و " احمد أمين " ، و " محمد حسين هيكل " يقرون بوجود العلاقة الوثيقة بين الأدب والحياة وكلامهم السابق له أثره فيما أنتجوه من أدب مصرى ، وما أضافوه إلى النقد خلال الحقبة الأخيرة من تاريخنا.(23)
ويؤكد "لويس عوض " على أن " الأدب لا ينفصل عن المجتمع ، وليس نشاطاً فى فراغ، فالأدب والفن والفكر والسياسة والإصلاح الاجتماعى ... كل هذه الأشياء أدوات للتعبير الاجتماعى ، وليست مجرد فانتازيا."(24)
أما "نبيل راغب " فيقر بالعلاقة بين الأدب والمجتمع فيقول " أن العلاقة بين الأدب والحياة علاقة عضوية متبادلة تأثيراً وتأثراً مثل العلاقة بين العلم والحياة وإذا كان العلم يغير أنماط الحياة على كل المستويات ، فأن الأدب يقوم بنفس المهمة لأنه يؤثر فى وجدان الناس ويغير من نظرتهم إلى الحياة وبالتالى سلوكهم فيها." (25)
ويؤكد على أنه " لا يمكن الفصل بين الفن والحياة ، إذ أننا لو قمنا بهذه المهمة فسنفصل الروح عن الجسد ومن ثم تصير الروح شيئاً مجرداً لا نستطيع إدراكه أو استيعابه ، ويتحول الجسد إلى جثة هامدة لا حراك فيها." (26)
ويتفق " توفيق الحكيم " مع "جان دوفينو" فى الربط بين المذهب الفنى والمذهب الخلقى حين قال " هناك صلة فى اعتقادى بين رجل الفن ورجل الدين ذلك أن الدين والفن كلاهما يضيء من مشكاة واحدة ، هى ذلك القبس العلوى الذى يملأ قلب الإنسان بالراحة والصفاء والإيمان وان مصدر الجمال فى الفن هو ذلك الشعور بالسمو الذى يغمر الإنسان عند اتصاله بالأثر الفنى ، ومن أجل هذا كان لابد أن يكون مثل الدين قائماً على قواعد الأخلاق." (27)
وبناءً على كل هذه الآراء يمكننا القول بأن الفن والأدب هما من المؤسسات الاجتماعية المتفاعلة مع الواقع الاجتماعى ومتغيراته بغرض الإصلاح والتقويم .
ويمكن أن نشير إشارة سريعة إلى بعض النماذج من المسرح العالمى والمصرى التى تؤكد المقولات والآراء السابقة . فالأدب فى المجتمع الاثينى له بطبيعة الحال أهمية من حيث هو أحد جوانب الحياة الاثينية ، فقد كان مرآة حقيقية لها فأوديسية "هوميروس" تعبر دون شك عن اليونان القديم . ( 28)
فالمسرح اليونانى الذى تميز بتركيزه على الفكر الفلسفى والميتافيزيقى لم يخل من النقد الاجتماعى حيث ينفى عنه "ريموند ويليامز" Raymond Williams ذلك الاعتقاد بأنه ينهض على أسس فردية بحتة ونماذج متفردة ويقول فى ذلك "لقد أصبح من الواضح الآن أن الفعل فى التراجيديا الإغريقية لم يكن ينتمى إلى حالة فردية ، أو ينتمى إلى واحدة من تلك الأحاسيس النفسية التى تخصنا ، ولكنه يمتد بجذوره إلى التاريخ بوجه عام . وينتمى الفعل فى التراجيديا الإغريقية ليس إلى شخصية فردية متميزة ، ولكن إلى الإرث الإنسانى كله ، والى العلاقات المتبادلة فى عالم يتجاوز الإنسان ويتفوق عليه فى النهاية ، وعلى ذلك فان ما نشاهده على المسرح هو فعل عام ولكنه نوعى ومتميز ، وليس فعلاً فردياً شائعاً ، وما نتعلمه من التراجيديا ليس خاصية أخلاقية معينة وإنما نتعلم تقلبات العالم وتحولاته" . (29)
ولنأخذ مثالاً على ذلك بمسرحية "انتيجونى " ، ففى هذه المسرحية يركز " سوفوكليس " Sophocles وعلى مرحلة من مراحل التطور الاجتماعى ، فالقرار الذى يصدره "كريون" بعدم دفن "بولينييس" لخيانته لوطنه ، خروج عن ناموس قديم هو احترام كرامة الإنسان . وخروج "انتيجونى " على قرار كريون ثورة على الوضع الجديد والسلطة الجائرة وتأكيد لناموس اذكى فالصراع فى هذه المسرحية لم يكن فقط صراعاً بين القوانين المدونة التى يمثلها الحاكم كريون والقوانين السماوية غير المدونة التى تمثلها انتيجونى بل هو أيضاً صراعاً يرتبط بالواقع الاجتماعى من خلال محورين: المحور الأول يتمثل فى كونه صراعاً بين قوى الدكتاتورية التى يمثلها كريون وحرية الرأى التى تجسدها انتيجونى . أما المحور الثانى فيتمثل فى كونه صراعاً بين قانونين أخلاقيين متضاربين فى فترة اجتماعية تاريخية معينه . (30)
وقد كان المسرح الأثينى بحق مرآه عاكسة للمجتمع خاصة بعد الضياع الذى بدأ يسيطر عليه عقب هزيمته فى الحروب البلوبونيسية ، والنضوج الديمقراطى الذى أتاح فرصة التعبير عن هذا الضياع ، الأمر الذى أدى إلى ظهور مجموعة من الكتابات التى حاول أصحابها أن ينتبهوا إلى الطريق الأمثل للخروج من المأزق الذى وجد فيه المجتمع الاثينى ، فقد كانت مشكلة السلام تقض مضاجع القدماء كما تقض اليوم مضاجعنا ، وذهبت أحلام القدماء مذاهب شتى فى تصور عالم تختفى فيه الحروب ويسود فيه السلام على وجه الأرض ومنهم "ارستوفانيس" Aristophanes الذى وجد فى قضية السلام مناسبة يجرب فيها فكاهاته المريرة وسخريته الموجعة فيقدمها فى معظم مسرحياته ومنها "ليزستراتا" وفيها تتعهد نساء الدول المتحاربة "ليزستراتا" بالامتناع عن الاتصال الجنسى بأزواجهن حتى يقلع الرجال عن الحرب . (31)
وفى مسرح العصور الوسطى ، نجد بعض الإشارات الاجتماعية فى المسرحيات غير الدينية ، فمسرحية " روبان ومريون" تصور سيطرة الإقطاع ، وتأثيراته السلبية على الفلاحين البسطاء". (32)
كما أن مسرحيات عصر النهضة تعد انعكاساً لمرحلة تطور اجتماعية " إذ هى تصوير للصراع بين الإقطاعية التى تلفظ آخر أنفاسها ومولد المجتمع الطبقى الجديد . ففى "الملك لير " يسجل "شكسبير" Shakespeare بتصويره للعلاقات بين لير وبناته وجولستر وأولاده انحلال العائلة كمجتمع إنسانى والاتجاهات البشرية التى نجمت عن تحطيم العائلة الإقطاعية . " (33)
فقد شُغل "شكسبير " فى عدد كبير من مسرحياته بفكرة الحُكم الرشيد ، وصور ما يمكن أن ينزل بمجتمع من كوارث ضخام حين يخرج الحاكم عما يناط به من وظائف فى المجتمع.
كما قدم " شكسبير " والذى يعتبره النقاد من كبار الرومانسيين ، وإن سبقهم بأكثر من قرن كامل ، قدّم أدباً يعد صورة صادقة للأزمات والمشكلات الاجتماعية التى حلت بالمجتمع الإنجليزى بسبب الحروب الداخلية التى كانت موجودة فى عصره ، ولقد ظهر هذا واضحاً فى العديد من أعماله المسرحية : هملت ، كما تهواه ، مكبث ، تاجر البندقية ، وغيرها . هذا فضلا عن بعض الأعمال الأخرى التى تجسد مختلف جوانب الحياة الاجتماعية وتصور القيم الاجتماعية تصويراً دقيقا. " (34)
فعلى سبيل المثال ، نجده قد صور العلاقة بين الأجير ورب العمل وأبرز الجشع المادى الذى يتحكم فى هذه العلاقة فى مسرحية "كما تهواه" . كما عبر عن وضع اليهود فى أوروبا فى مسرحيته "تاجر البندقية" حيث تسلل إلى عقل اليهودى الجشع وتحسس دوافعه ، لهذا نجده جعل "شايلوك" يعانى من الحقد والظلم اللذين عانى منهما اليهود ، ووضع على لسانه بعض الخطب الرائعة ليجعلنا ندرك هذه الدوافع ، وكانت النتيجة أن الإخراج الحديث لهذه المسرحية غالباً ما يثير الكثير من العطف على " شايلوك" بقد ما يثير من مقت وكراهية لجشعه ."(35)
وقد شهدت الدراما الحديثة تحولات فنية متنوعة جاءت مواكبة للتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فمنذ منتصف القرن التاسع عشر بدأ الاتجاه نحو الواقعية وتطورت الدراما الاجتماعية التى تعالج مشكلات حقيقية ولا شك فى أن كتاباً مثل "إبسن" Ibsen ، "وشو" Shaw ، و "تشيكوف" Anton Chekhov قد ساهموا فى إحداث تغيرات فعالة .
"فلقد اعتنق الشاعر النرويجى "إبسن" مذهب الواقعية فى الأدب عقب الحروب التى خاضتها روسيا مع الدانمارك ثم مع فرنسا ، وما تبعها من معاهدات ، وأحداث سياسية ، وهزات اجتماعية ، فكرس نفسه لتشخيص أمراض المجتمع ، وأدوات النفس البشرية فبدأ يكتب مسرحياته باللغة التى يتحدث بها الناس ، وسرعان ما أصبح أحد زعماء المدرسة الواقعية ، وفى سنة 1877 كتب "إبسن" المسرحية الشعرية " أعمدة المجتمع" التى عالج فيها مشكلة النفاق الاجتماعى ، ثم مسرحية " بيت دمية " التى وجه فيها سياط نقده إلى وضع المرأة فى المجتمع وعدم مساواتها بالرجل باعتبارها إنساناً له شخصيته وكرامته لا مجرد دمية لا دور لها فى الحياة سوى إمتاع زوجها وتسليته." (36)
أما "شو" فقد تضمنت مسرحياته أراءه فى العلاقات الإنسانية والاجتماعية " وهو كاشتراكى من مؤسسى الجمعية الفابية الاشتراكية فى إنجلترا يعتبر نفسه داعية لها يعبر بفنه المسرحى عن أهمية التحول الاشتراكى للمجتمعات الراقية . إن كل المشاكل التى طرحها شو للمناقشة خلقها فى الواقع المجتمع الطبقى الرأسمالى " (37)الذى أبرز شو سلبياته وتناوله بالنقد اللاذع فى معظم مسرحياته فنراه فى مسرحية " منازل الأرامل" يصور الرأسمالية كالأخطبوط تمد أطرافها فى كل نواحى المجتمع فيستشرى فيه الظلم والفساد القائم على الاستغلال والحصول على المال بأى وسيلة دون اعتبار للقيم الأخلاقية والإنسانية. كما نراه يطرح قضية الصراع الطبقى فى مسرحية " بيجماليون" بوجهة نظر جديدة " فهو يرى أن المسألة ليست مجرد فروق اقتصادية بين الطبقات بل عادات متأصلة فى نفوس أفراد كل منها." (38)
ويرى تشيكوف " أن مأساة العصر الحديث إنما هى مأساة ضياع الهمم والأفكار وسط سلسلة كالحة مريرة من تفاهات الحياة اليومية ، وسخافات العيش الروتينى . إن مأساة العصر الحديث فى نظره هى مأساة البلادة والضياع والهمة التى لا تشتعل إلا ريثما تخبو مأساة الذين لا يهبُّّون لمقاتلة القدر ، بل يتلقون صفعاته صاغرين ولا يملكون إلا أن يأملون فى مستقبل لا توجد فيه صفعات " (39)لهذا تتطلع الشقيقات الثلاث فى مسرحيته التى تحمل نفس الاسم إلى الانتقال إلى "موسكو " ، حربا من الحياة الضيقة العقيمة التى يحياها الجميع فى بلدة صغيرة من بلدان الريف الروسى .
والحديث السابق عن المسرح وارتباطه الشديد بقضايا المجتمع ينقلنا للحديث عن المسرح الموجه الذى يعتبر أيضاً أحد الاتجاهات الحديثة التى تؤمن بفكرة التزام الكاتب بقضايا مجتمعه، محاولاً أن يعكسها فى إبداعاته الأدبية .
ويعرف رفيق الصبان المسرح الموجه بأنه "مسرح تعليمى وتوجيهى وثقافى تختفى وراؤه دائما تيارات سياسية واقتصادية تحاول أن تجعل منه أداه فكريه خطيرة يمكن استغلالها إلى أقصى الحدود." (40) ويعتبر "اروين بسكاتور" Erwin Piscator ـ الذى يعد أول من اعتنق فكرة المسرح السياسى ـ من أكبر رواد هذا الاتجاه فهو لا يريد أن يلعب دور الفنان بل دور السياسى عن وعى وتسليم بالحاجة إلى التعريف بشكل واسع بالصراع الطبقى ، والمشاركة فى قيادته. إنه يريد للطبقة العاملة أن تعرف ، وأن تكافح عن وعى بالحقائق ، لذل فقد سعى إلى تخطيط وتنفيذ نوع جديد من المسرح موجه بالكامل إلى الدعاية السياسية والاجتماعية ويقصد به مسرح الطبقة العاملة (المسرح البروليتارى) (41)
كما أكد بيسكاتور على أن وظيفة المسرح بصفته مؤسسة فنية قد تعدلت ، ولم تعد مهمة المسرح قاصرة على النواحى الجمالية فقط ، بل أصبح من مهماته مخاطبة عقول الجماهير ، بعد أن كان ذلك قاصراً على مخاطبة عواطفهم وانتظار رد الفعل لذلك، لقد أصبح المسرح اتصالاً وثيقاً بالمشاهدين ، وأصبح من ضمن مهماته توصيل المعرفة بوضوح تام ، فالمسرح يصل إلى نهايته المنطقية فى الحياة الاجتماعية والسياسية . " (42)
وقد حذا تلميذه "برتولد بريخت " Bertolt Brecht حذوه حيث يرى "أن المسرح مرآه حقيقية تنعكس عليها مشاكلنا كلها . ويؤمن بعد ذلك أن مسؤولية جسيمة وخطيرة تقع على عاتق هؤلاء الذين يعملون بالمسرح ويعملون من أجله أنهم صنعة التاريخ لذلك لا يحق لهم بشكل من الأشكال أن يهربوا من المؤثرات المدهشة اقتصادية كانت أم سياسية التى تحيط بمجتمعهم ليعالجوا مشاكل عاطفية بعيدة عن التأثير المباشر أو التوجيه الفكرى العميق. (43)
فقد جاءت المحاولات التى قام بها "بريخت " فى المسرح كرد فعل للتغيرات التى لحقت بالمجتمع الألمانى فى أعقاب الحرب العالمية الأولى وما أحدثته هذه الحرب من تغير فى الوعى السياسى والاجتماعى نتيجة لانهيار كثير من القيم "فلقد كان هدف "بريخت" الأول أن يجعل المتفرج يرى العالم الحقيقى ويفهمه ، أن يجعله يفهم كيف تدور الحياة فى المجتمع الرأسمالى المعاصر بحيث يسعى إلى تغييره فلقد كانت مسرحيات " بريخت " تعكس قضايا الإنسان وصراعه المرير مع القهر والاستغلال." (44)
ويظهر هدفه هذا بوضوح فى مسرحية " الاستثناء والقاعدة" حيث لخص " بريخت " على لسان مجموعة الممثلين فكرته عن المسرح الذى يجب أن يكون هدفه توجيه المتلقى لتغيير الواقع الذى اعتدنا علية لتصحيح الأخطاء التى أصبحت قاعدة على الرغم من أنها لابد أن تكون هى الاستثناء .
وقد اعترض "بريخت " على نظرية "أرسطو" فى المسرح التى تقوم على محاكاة الواقع وإيهام المشاهدين بأن ما يشاهدونه هو هذا الواقع فعلاً وحاول أن يتخطى هذه المحاكاة ، وهذا الإيهام إلى مفهوم آخر للمسرح (المسرح الملحمى ) حيث يناقش الواقع مناقشة ديالكتيكية بقصد تنوير الجماهير بحقائق هذا الواقع ، فهو يرى أن المسرح رسالة اجتماعية وسياسية لابد أن يستفيد منها المتلقى ، وأن ينعكس هذا على تصرفاته حيال القضايا الاجتماعية التى تواجهه لذا فهو لا يريد للمتلقى أن يتقبل الواقع كما هو ، بل يريد له أن يناقشه عقلانياً ويفرق بين ما هو قاعدة وما هو استثناء . وفى أعمال رائد الوجودية "جان بول سارتر" J.P.sartre ما يؤكد قوله بأن " لا وجود للفن إلا بواسطة الآخرين ومن أجلهم " (45)، فهو يرى أن هدف الكاتب هو "أن يساعد على إحداث تغييرات محددة فى المجتمع الذى يعيش فيه وأن يتحالف مع كل الراغبين فى تغيير وضع الإنسان الاجتماعى ومستوى إدراكه بحيث لا يدع إنساناً يجهل العالم أو يدعى السذاجة " (46)، فنجده وقد قاد هجوماً عنيفاً على ألمانيا النازية بوصفها محتل غاصب لأرض بلاده فى مسرحيته "الذباب "، كما نراه ناقداً لاذعاً للمجتمع الأمريكى متهماً إياه بافتقاده لمفاهيم المساواة الإنسانية مما لا يتناسب مع مكانة أمريكا على الساحة العالمية بطرحه لقضية التفرقة العنصرية فى مسرحية "المومس الفاضلة " . وتعرض مسرحية "الجحيم " فى صورة نتوء بارز العلاقات والصلات البشرية التى لا يمكنها أن تقوم أو تستقيم وسط عنف التصادمات التى تنجم عن الأنانية وتضارب المصالح ليصبح الجحيم هو الآخر الذى يعذبنا وينكر علينا حريتنا بان يصدر ضدنا أحكاماً يديننا بها ومن ثم يصبح قاضياً وجلاداً فى نفس الوقت .
" ولعل السبب فى نظرة سارتر المتشائمة إلى علاقة الإنسان بالآخرين لا ينحصر فى طبيعة سارتر أو تكوينه النفسى إنما يعزى إلى أن مسرحه قد ولد فى جو فرنسا المحتلة وفى عصر المقاومة الشعبية وما تبع ذلك من وحشية الاستعمار وألوان الخيانة بين الفرنسيين أنفسهم مما جعل هذا المسرح يستنشق هواء الحرب والقتل والتعذيب ويفوح بجميع ضروب الإذلال التى توجه ضد روح الإنسان وجسده وسعادته." (47)
إن الإبداعات الأدبية لسارتر فى النصف الثانى فى القرن العشرين كانت تعكس أزمة القيم التى يعيشها الإنسان فى ظل الحرب العالمية الثانية ، فكرة اغترابه عن العالم.(48)
وفى المسرح الأمريكى اتخذ "يوجين أونيل " Eugene O neille بعض المواقف من العاهات الاجتماعية عبر مسرحياته الأولى إلا انه قد مال إلى التعمق فيها عبر مسرحيات لاحقه كما فى الإمبراطور جونس ، "القرد المشعر" "أبناء الله كلهم لهم اجنحة" ، وتتناول الأخيرة قصة زواج بين امرأة بيضاء وزنجى ، وقد أثارت هذه المسرحية عاصفة من الاحتجاج العنصرى وضجة فى الأوساط الأمريكية لأنها فضحت واقع التمييز العنصرى والطبقى.(49)
وعندما ظهرت مسرحية "وفاة بائع متجول" للكاتب الأمريكى " آرثر ميلر " Arthur Miller اعتبرها النقاد قمة الجهود التى بذلها كتاب المسرح من أجل التعبير عن الحياة الأمريكية تعبيرا واقعياً ناقداًً فقد اعتمدت فى نجاحها على كونها نموذجاً طيباً لما يمكن أن نسميه بمسرحية الطبقة الوسطى ، فهى تهتم بمصير رجل عادى يعيش فى بيئة عادية إلا أنه يتمسك بمعتقداته وأحلامه ، وتقدم دراما شعرية تضرب بجذورها فى أساليب الأمريكيين وعاداتهم.(50) كما عالج " ميلر " موضوع مسرحيته "كلهم أبنائى " من قصة واقعية حدثت فى الغرب الأوسط من الولايات المتحدة لإحدى الأسر التى تحطمت عندما أسلمت ابنة أباها للسلطات بعدما اكتشفت أنه كان يبيع أسلحة فاسدة للجيش أثناء الحرب (51)
وعلى مستوى المسرح المصرى فإن الفضل يعود إلى ثورة 23يوليو فى السير به إلى مرحلة من النضج والوعى بشكل لم يسبق له مثيل ، فقد تأثر المثقفون والمفكرون بالأفكار الاشتراكية التى تدعو الأدباء إلى أن يضعوا أنفسهم ومواهبهم فى خدمة المجتمع فقد أشاعت الثورة عند الكُتاب عنصر الالتزام بما أمدت به الجماهير العريضة من مفاهيم ثورية وأوضاع جديدة على المجتمع المصرى . وفى مقدمتها تقديس العمل من أجل المجموع لا الفرد ، "فمن الكتابات الموالية للثورة المتفاعلة مع توجهاتها كانت " الأيدى الناعمة " لتوفيق الحكيم تجسيداً للشعار الذى أطلقته الثورة على لسان قائدها " جمال عبد الناصر " حيث (العمل حق ، العمل واجب ، العمل شرف ). " (52)
كما أسهم " ألفريد فرج " بمسرحيته " على جناح التبريزى وتبعه قفة " فى الترويج لفكرة التأميم ، والعدالة الاجتماعية.
" أما "سعد الدين وهبة " فقد كرس بدايات مسرحه لقضايا المجتمع والفساد السياسى والاجتماعى وآثاره السلبية على الطبقات الدنيا وخاصة فى الريف المصرى فكتب (المحروسة ـ كبرى الناموس ـ السبنسة ـ كفر البطيخ ) ، وانشغل فى المرحلة التالية على بداياته المسرحية بنقد تجربة الثورة فى مسرحياته ( المسامير ـ سكة السلامة ـ ياسلام سلم الحيطة بتتكلم )." (53)
" كما اعتنق "نعمان عاشور " منطق الواقعية الحديثة فى ثوب الكوميديا التى تتجه فى صرامة نحو النقد الاجتماعى وعلى هذا فقد اتجه أسلوبه فى " الناس اللى تحت " إلى نقد المجتمع بصورة فيها سخرية وتهكم حافل بالعناصر الفكاهية ، ومن ناحية أخرى نجد الإحساس المأساوى تجاه الطبقات الفقيرة التـى تكالبت عليها سطوة الطبقة الغنية أو السلطة."(54)
ولقد حافظ " يوسف إدريس" فى كل أعماله على فكرة البحث عن حياة افضل تضمن للإنسان العدل والحرية . تلك الفكرة التى قامت عليها " جمهورية فرحات " والتى حلم فيها بجمهورية مثالية يوجد فيها عمل ورفاهية وعدل وحرية وبالتالى يستطيع الإنسان فيها أن يجد معنى لوجوده بعيدا عن الفقر والتفرقة الطبقية .
´وفى " المخططين " وهى المسرحية التى يعرض فيها " يوسف إدريس " بوضوح شديد اهتمامه بالقضايا السياسية ، يوضح طبيعة النظام السياسى والعلاقة بين المجتمع ونظام الحكم فنراه يدين بطريقة رمزية كاريكاتورية موقف الحياة السياسية المصرية فى نهاية الستينات والذى نجد فيه تحول نظام الحكم إلى نظام ديكتاتورى." (55)
لقد تأثر كتاب المسرح المصرى بالمناخ الثورى واستطاعت الثورة أن توقظ فيهم إحساسهم بقوميتهم فظهر الكاتب المسرحى الموالى للفكر الثورى والكاتب المنتقد له بشكل رمزى خوفاً من بطش السلطة ، فقد استطاعوا ربط الفكر بالحياة والتوغل إلى صميم معترك المتناقضات الاجتماعية فى محاولة لإيقاظ وعى المتلقى ليدرك حقيقة الواقع ومن ثم يمكنه إصلاحه وتغييره.
ومما سبق يتضح لنا أن للمسرح عبر العصور التاريخية المختلفة دوراً وظيفياً يتمثل فى أنه يعكس المشكلات الحياتية بصورة واضحة ودقيقة تكشف النقاب عن الواقع الاجتماعى وعن علاقة الإنسان بهذا الواقع .
ولقد وجهت إلى نظرية الانعكاس بعض الانتقادات والاعتراضات من قبل النقاد والمشتغلين بالأدب حيث انتقد البعض مسمى " الانعكاس " رافضاً قصور دور المسرح على النقل الحرفى للواقع ، وهدمها البعض الآخر ليشيد محلها نظريات تمجد الدور الترفيهى للمسرح وتقصره على المتعة والتسلية .
فقد أكد " رايموند ويليامز" Raymond Williams على أن هناك مفهوماً أخر معدل لمفهوم " الانعكاس " وهو التوفيق أو " التوليف " الذى يدل اسمه على عملية فعالة وليس على تلك الآلية السكونية التى توحى بها كلمة انعكاس ، ويرتكز المفهوم الجديد على عاملى الفاعلية واللامباشرة ، حيث يقدم تصوراً متميزاً لموضوع العلاقة بين الأدب والمجتمع تجاوز مسألة انعكاس الواقع مباشرة فى الأدب مؤكدا على أن الواقع يمر بعملية "توفيق" تغير محتواه الأصلى أو على الأقل تغير صورته من خلال إسباغها لنسق خاص أو شكل خاص على هذا المحتوى الواقعى الخارجى ، إذ ينطوى التوفيق على نوع من التعبير غير المباشر الذى يتحور فى الواقع الاجتماعى من خلال أشكال متعددة من الإسقاط أو التقنيع وبذلك يمكن بعملية تحليل مناقضة استعادة صورة الواقع الاجتماعى الأصلية بعد نزع الأقنعة أو تعرية الإسقاطات.(56)
وبذلك فقد أفسح المفهوم الجديد المجال أمام العقل الواعى بالواقع بوصفه المرآة التى تتلقى الصورة قبل أن تعكسها ، والتى تتعامل بالقطع مع هذه الصورة بفاعلية يترتب عليها تغير الكثير من ملامحها وتفاصيلها فى عملية أقرب إلى إعادة الصياغة منها إلى الانعكاس ، فهو يرى أن مهمة الأديب لا تقتصر على النقل الحرفى للواقع بل تتعدى ذلك إلى صبغته برؤية الفنان التى يحددها فكرة وخياله ، بالإضافة إلى العبقرية الشخصية أو الموهبة الذاتية التى تداركها "تين" وأضافها إلى ثالوثه (البيئة ـ الجنس ـ العصر ) " حين أشاد بعبقرية "شكسبير " فى مقدمة كتابه عن الأدب الإنجليزى حيث أشار إلى أن هناك أشخاصاً أدباء كبارا يرتفعون بقاماتهم عن الوسط الذى عاشوا فيه ، ويحققون بمواهبهم مستويات نوعية من الإبداع لا يمكن أن تفسر فقط طبقاً لنظريته السابقة ، بل لابد من إدخال عامل آخر ، وهو عامل الموهبة الفردية وعبقرية الأشخاص فى حساب الناقد والدارس للإبداع الأدبى."(57)
ويرى الباحث أن مفهوم " التوفيق " يحمل فى طياته اعترافاً ضمنياً بضرورة أن يعكس الأدب الواقع الاجتماعى على أن تتم عملية " الانعكاس " على مستوى المضمون لا الشكل بحيث يتخذ الأدب من المجتمع مادة خام قابلة للصياغة والتشكيل ليعكسها من منظورات متعددة قد تكون رمزية أو تعبيرية أو ملحمية حسب الرؤية الفكرية الخاصة بالمؤلف والتى يبلغ بها أعماق الضمائر والقلوب لتحقيق التأثير المتبادل بينه وبين جمهوره ، وهذا ما يؤكده "ماركس" بقوله :" أن الفنانون صوروا العالم بأشكال مختلفة غير أن مهمتهم هى تغييره."(58)
وعلى مستوى النقد العربى يؤكد "فاروق عبد الوهاب " على أن " تاريخ الفن فى العالم عبارة عن محاولات متصلة من جانب الفنانين لحل مشكلتهم الأزلية مع شكل فنهم فالمضمون واحد والهدف الأساسى من وراء الفن الواحد ، فالمضمون لا يخرج دائماً عن حياة الإنسان ، وحياة الناس وعلاقاتهم ببعضهم البعض ، وتصوير هذه العلاقات من زاوية جديدة ، زاوية خاصة . فالعلاقات موجودة ، ولكن الجديد الذى يقدمه لنا الفنان هو أن يرى هذه العلاقات فى ضوء جديد ، وغالباً ما يكون ضوءه هو الخاص ، وهذه الخصوصية هى التى تضفى على المضمون جدته، ومن ثم شكله الجديد فما يميز الفنان عن غيره من البشر هو قدرته على أن يرى تكوينات جديدة فى أشياء لم تجذب انتباه غيره من الناس"( 59)، مع الأخذ فى الاعتبار أن أى تجديد فى الشكل لا يخدم غرضاً ولا يستمد مبرراته من مضمون اجتماعى يظل شكلاً عقيماً تماماً لا ثمرة فيه ، وتأكيداً لهذا المعنى يستنكر "رشاد رشدى " ـ وهو أحد المتحمسين لمدرسة النقد الحديث ـ النقد الذى وجه إلى مسرحية "الأرانب" بشأن تحول بطلها إلى امرأة وتحول البطلة إلى رجل بدعوى أن هذا مخالف للواقع الحياتى ويرى أن " المؤلف " لطفى الخولى " يدعو إلى أن يحدث هذا التحول فى الحياة والواقع ، وأن هذا التحول ـ فى مجال الدراما ـ ليس إلا تجسيداً للمشكلة الاجتماعية التى يعالجها المؤلف ، وهو فى إطارها العام ضرورة أو حتمية التغيير فى مجتمع متطور متطلع، وفى إطارها الخاص حقيقة مساواة المرأة للرجل فى مثل هذا المجتمع أو رفض الرجل لهذه الحقيقة وضرورة تقبله لها ، بل وضرورة تقبل المجتمع للتطور والتغيير الدائم لأن هذا شيء طبيعى." ( 60)
إن رشاد رشدى يطالبنا بأن ننسى الواقع كما نعرفه ونستبدله بالواقع الدرامى ، حيث الصورة المسرحية المقدمة بأشكال جديدة ممتزجة برؤية المؤلف .
كما أن هذه الأشكال على اختلافها ليست نتاجاً فردياً ، بل هى وليدة ظروف اجتماعية معينة ساهمت فى إفرازها وهذا ما يشير إليه "إرنست فيشر" Ernst Fischer فى قوله "إن التاريخ الاجتماعى للفن يؤكد أن الأشكال الفنية ليست مجرد أشكال نابعة من الوعى الفردى ـ يحددها السمع والبصر ـ وإنما هى إلى تعبير عن نظرة إلى العالم يحددها المجتمع " ( 61).
وإلى شيء من هذا يذهب "لوسيان جولدمان" L. Goldman أحد رواد الاتجاه البنيوى التكوينى ( التوليدى) ، والذى تأسس موقفه من دراسة الأدب على النظرية المادية الجدلية ، "فالأدب فى نظر جولدمان " مثله مثل المجتمع ، هو كل متكامل ، فكل عمل أدبى لا يمكن فهمه إلا من خلال فهم أجزائه المكونة له فى علاقتها مع بعضها البعض ، إلى جانب ذلك نجد عنده الاهتمام ببنية المقولات التى تكشف عن رؤية للعالم " (62) بمعنى أن البنية الفكرية للعمل الأدبى تولد وتجسد بدورها بنية اجتماعية طبقية .
والدليل على هذا أن الحرب العالمية الثانية بوحشيتها اللامعقولة وتخريبها الهمجى المدمر كانت سبباً فى توجيه كتاب الدراما لصياغة موضوعاتهم فى شكل درامى عبثى للتعبير عن الواقع بغير الواقع والالتجاء إلى اللامعقول واللامنطقى فى كل تعبير فنى .
حيث يعتقد كتاب المسرح العبثى ، أن وجودنا فى الحياة هو العبث بعينه لأننا نولد بغير إرادتنا ونموت بدون أن نسعى للموت ونحيى ما بين المولد والممات محتجزين فى أجسادنا وعقولنا ، ولهذا جاءت لغة العبث مفرغة من المعنى لتؤكد لا جدوية الأفعال ، أو تناول الأفكار بين الناس . (63)
ومع ذلك لم تخلوا إبداعاتهم من المضامين الاجتماعية ، فعلى سبيل المثال تكشف مسرحية "الخرتيت" للكاتب العبثى " يوجين يونسكو" Eugene Ionesco القناع عن أحد الأوضاع الاجتماعية السياسية الفاسدة حيث ما يسميه يونسكو ( داء الخرتيت ) هو النازية التى كانت عند نشأتها بين الحربين العالميتين اختراعاً أو ابتكاراً من المفكرين أو الأيديولوجيين الذين يتفننون فى خلق عقائد جديدة ، فهم لا يفكرون ولا يتأملون فيما يقولون إنما يحفظون عن ظهر قلب بعض الشعارات العقائدية أو الفكرية يقومون بإلقائها بصورة أليه كقطعة المحفوظات فى أفواه التلاميذ ، ويزيفون الفهم والمفاهيم ، ويحاربون روح التعايش السلمى ، حيث أن الخرتيت لا يمكن أن يتفاهم مه من ليس خرتيتاً مثله لذا يأمل " يونسكو" أن ينهج المتلقى نهج " بيرنجيه " بطل المسرحية فى نبذه للأيديولوجية التى تحيط به وذلك برفضه أن يكون خرتيتاً . (64)
ويتضح مما سبق انه مهما اختلفت الرؤى والأشكال الفنية التى ينسج منها الكاتب إبداعاته فأنها تلتقى فى النهاية عند نقطه أو أرض مشتركة واحدة تؤكد أن العلاقة بين الأدب والمجتمع علاقة ديناميكية والتأثير بينهما متصل متمازج تختلط فيه الذاتية بالاجتماعية عن طريق التفاعل القائم بينهما .
أما عن النظريات والاتجاهات المناهضة لنظرية " الانعكاس " فتعتبر نظرية "الفن للفن" واحدة من أهم النظريات التى أقرت بقطع الصلة بين الأدب والمجتمع ، " فقد قامت دعوة الفن للفن فى مطلع القرن التاسع عشر كنوع من الهروب من تبعات الحاضر ، فتجاهل الأدباء لذلك العهد ـ فى أدبهم ـ مطالب عصرهم ، وهدفوا إلى خلق أدب هو صورة الترف فى ذاته وكانوا لا يحفلون بالغايات الاجتماعية والخلقية " ( 65) ، ويرون أن "العمل الفنى الجديد له توافقه وانسجامه الداخلى وعلى هذا الانسجام يتوقف الأثر المطلوب لا على اتفاق العمل مع الحياة أو اختلافه عنها . " ( 66)
وينظر بعض النقاد للدعوة السابقة كرد فعل للمذهب الرومانتيكى ، الذى لا يحفل بغير الترجمة عن العاطفى الشخصية ، وينزل بالأدب إلى مستوى الوسيلة ، حيث يرى أصحاب " مذهب الفن للفن " أن من حق الأدب أن يصبح غاية فى ذاته ، لا مجرد وسيلة للتعبير عن المشاعر الخاصة .(67)
ومن هنا جاء تعريف إبراهيم حمادة لنظرية الفن للفن على أنها " اتجاه جمالى فى الخلق الفنى هدف به أصلاً الشاعر والناثر "ثيوفيل جويتيه " ( 1811 ـ 1872) إلى الثورة ضد استخدام الفن كأداة للتعبير عن الذات . إن هدف الفن ـ فى نظره ـ ينبغى أن يكون لذاته الجمالية لا أن يكون وسيلة للإفصاح عن مشاعر الفنان الخاصة ." ( 68)
وقد انبثقت هذه النظرية عن الفلسفة المثالية التى يعد الفيلسوف الألمانى " كانط" Kant أهم روادها ، حيث تقوم فلسفته على الإيمان بعدم وجود عالم خارجى منفصل عن الإنسان وأن الحقيقة هى نتاج النفس البشرية وبأن الشيء ما هو إلا فكرتنا عن الشيء أى أن الحقيقة هى مجرد أفكار لا دلاله لها فى عالم خارجى محسوس ، وفى ظل نظريته لم يعد الشعر محاكاة للطبيعة كما كان الاعتقاد فى القرن الثامن عشر وإنما محاكاة الخلق نفسها أى أن العمل الفنى كائناً عضوياً مستقلاً عن أى شيء خارجه . (69) فهو يعد المتعة الفنية غاية فى ذاتها فلا ينبغى أن نبحث وراءها عن غاية خلقية أو اجتماعية ويعتبر أن " الجمال هو رضاء مجرد من الغرض. " ( 70)
" فهو لا يرى عناصر الجمال إلا فى الشكل أو المضمون فيلقى به خارج نطاق علم الجمال " (71)
وتعتبر آراء " كانط " هى الدعامة الأساسية لدعاة نظرية الفن للفن حيث عادت إلى فرنسا فى أوائل القرن التاسع عشر كوكبة من المثقفين الفرنسيين المهاجرين الذين أسهموا فى نشر أفكاره وفلسفته ومنهم الشاعر " جويتيه " الذى يقول فى مقدمة ديوانه "قصائد أولى" ( 1832) " إذا كان هناك ثمة هدف يحاول هذا الكتاب تحقيقه فهو فقط يحاول أن يكون جميلاً. " ( 72)
ويعتبر أوسكار وايلد Oscar Wilde واحداً من أنصار هذا المذهب ، وكانت مسرحية "سالومى " ثمرة من ثمار دعوى الفن للفن حيث لا مجال للاعتبارات الدينية أو الأخلاقية أو القومية عند التعامل مع نص كهذا . ( 73)
إن هذه المسرحية تعرض تصويراً قوياً للحب الجسدى الشهوانى العنيف ، ولكنها تفتقر إلى المبررات التى يمكن أن تقنع المتلقى بهذا الحب ، إذ ليس من السهل أن تصدق كيف أن سالومى ، تلك الفتاه العذراء تندفع فجأة وبدون مقدمات فى حب يوحنا المعمدان لتصل إلى تلك الدرجة من الشهوى الجسدية دون الإحساس حتى بأى نوع من الحياء أو الخجل.
كما رفع ت . س إليوت T.S Eliot راية مذهب الفن للفن فى أول عهده بالنقد ( وهى المرحلة التى تبدأ فى عام 1917 ) حيث كان همه كله منصرفاً إلى توفير الأسس الجمالية فى العمل الأدبى ، فيها كان يفر " إليوت " مما يسميه ( خلط الأجناس ) يقصد بذلك خلط الأدب بالفلسفة أو بالاجتماع ، فهو يرى أن العمل الأدبى ليس وسيلة ولكنه غاية فى ذاته ن ولا يمكن أن يكون إلا صوره لنفسه فقط ، إلا أن " إليوت " كان فى المرحلة الثانية من مراحل تطوره أقرب إلى النزعة الواقعية حيث ذكر فى مقدمة كتابه "الغابة المقدسة" (1928) أنه مهما قيل فى استقلال الفن ، ومهما أجتهد أهله فى الاكتفاء به غاية فى ذاته ، فأنه لا بد وأن يمس مسائل الخلق والدين والسياسة . ( 74)
وعلى الرغم من بزوغ نظرية الفن للفن فى مطلع القرن التاسع عشر ، إلا أن جذورها تمتد إلى القرنين الرابع والخامس قبل الميلاد " ، حيث شاعت بعض الآراء والنظريات التى انتهت إلى نظرية حسية فى الجمال غايتها : أن الفن هو إحداث لذة عند الجمهور المتذوق . وعلى الفنان أن يقدم للجمهور ما يلذة ويرضيه لا ما يجب عليه أن يعمله ، حتى ولو كان ذلك الفن تمويها وغير مطبق للحقيقة الموضوعية . ومن الطبيعى أن يثور أفلاطون وأمثاله على هذه النظرية الحسية فى الجمال ، حيث أصبح الفن عند محترفيه مجرد قواعد محفوظة وصفها أفلاطون بأنها لا توجه الجمهور إلى الخير بل إلى اللذة . ولما كان هذا الفن لا ينطوى على خير ولا حقيقة ولا جمال ، فقد وصفه أفلاطون بأنه خيال ومحاكاة مزيفة للحقيقة ، واستبعده من مدينته الفاضلة " (75)
وعلى هذا النحو يمكن أن نأخذ بعين الاعتبار أن نقد أفلاطون كان موجهاً إلى الاتجاهات الجديدة فى الفن والفكر المعاصر له ، فهو لم يوجه اتهامه إلى الشعر على الإطلاق بل إلى الشعر بقصد اللذة .
لقد جاءت أسطورة نفى أفلاطون الشعراء فى مدينته المثالية نتيجة لإساءة فهم كتاب الجمهورية إذ ذكر أفلاطون الشاعر بقوله (علينا أن نبجله باعتباره شيئاً مقدساً وساحراً وممتعاً، علينا أن نعرفه بأنه لا وجود لمن يماثله فى مدينتنا ، وأنه لا يسمح بوجود هذا المثيل وعلينا ألا نعمده بزيت الرايتنج ونكلل جبينه بالغار ، وأن نقصيه إلى مدينة أخرى . ومن ناحيتنا نبحث لصالحنا عن شاعر أخر أكثر جفافاً وأقل قدره على التسلية وحكاية القصص بقوم بتمثيل أحاديث الرجل الخير لنا ) ( 398 A ) . ويؤكد لنا من يسيئون فهم أفلاطون بأن ضحية هذا الإبعاد هو الشاعر على الإطلاق . ولو أنهم قرءوا العبارة إلى أخرها كما جاء ذكرها هنا ، لأمكنهم أن يروا أنه لا يمكن أن يكون المقصود كذلك ، فهو لم يقصد الشاعر التمثيلى على الإطلاق ، بل قصد الشاعر الذى يعمل على التسلية والذى يمثل ببراعة رائعة وبطريقة مثالية للغاية التوافه والمنفرات . " ( 76)
وقد واجهت دعوت الفن للفن نفس المعارضة التى واجهتها النظرية الحسية فى الجمال فى عصور ما قبل الميلاد ، فلقد عاب الاشتراكيون على الدعوة محاولة فصلها عن المجتمع.
كما قاد " سارتر" حملة ساخرة على هؤلاء الذين يحصرون قيمة الأدب فى نواحيه الفنية وينفون أن يكون للأدب تأثير أو هدف، فرفض الفصل بين الجمال الفنى والقيمة. (77)
وأقر بان الكاتب الذى يتبع تعاليم دعاة ( الفن للفن ) ، يهتم قبل كل شيء بكتابة أثار لا تخدم شيئا البتة ، أثار محرومة من الجذور ، وهكذا يضع نفسه على هامش المجتمع ، أو لا يقبل بالأحرى إلا يمثل فيه إلا بصفة مستهلك محض ، وعلى وجه الدقة كطالب متعه . فالفن الخالص والفن الفارغ سواء بسواء ، والدعوى إلى مثل هذا الفن ـ فيما يرى "سارتر" ـ ليست إلا ذريعة تذرع بها نكرات القرن الأخير لأنهم أبو أن يسلكوا سبيل التجديد والكشف وأن يبدعوا شيئاً ذا قيمه . ( 78)
ويرى الباحث أن قصور دور الفن على إبراز النواحى الجمالية يقلل من فرص خلوده ، إذ أن الجمال ليس مطلق فكما يتغير مقياس الحياة بتغيير ظروفها يختلف الإحساس بالجمال من عصر إلى عصر وكذلك من طبقة إلى طبقة .
كما يرى أن قصور وظيفة الفن على المتعة والتسلية ، إنما هو دحض لقيمته وإغفال لدوره الفعال فى الارتقاء بمستوى الحياة الواقعية إلى المثالية ، فلو كان الفن هو ما يجلب المتعة فيمكننا الاعتراف بان الطعام الطيب وشم الروائح الذكية ومختلف الأحاسيس المادية الأخرى يمكن أن تعتبر فنوناً .
ويتفق الباحث مع جلبرت موراى Gilbert Murray فى قوله بأن إبداع أى عمل فنى لابد وأن يقوم على قصد المنفعة والاستخدام ، فليس ثمة صورة ترسم لأناس عمى ، ولا يبنى قارب فى غير وجود ماء . ( 79)
إلا أنه يضيف لرأى "جلبرت موراى " رفض " سارتر " للفصل بين الجمال الفنى والقيمة حيث يرى الباحث أن وظيفة الفن كمنشط لوعى المتلقى تجاه الممارسات الاجتماعية التى تحيط به لا تتعارض مع طبيعته كوسيلة للإمتاع والترفيه وأن رعاية القيم الجمالية ضرورى للفنان وضرورى للفن وإلا تداخلت الخطوط بين العلم والأدب ، وأنه إذا تضافرت القيم الجمالية التى يتضمنها العمل الفنى مع القيمة الاجتماعية التى يهدف إليها المبدع لخلق عمل متكامل يجمع بين الإقناع والإمتاع أصبح للفن هدفٌ أسمى من أن يكون لمجرد التسلية .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش :
ــــــ
1- أمل فضل حركة : ظاهرة المخلص بين الفرد والمجتمع ،(مجلة كلية الآداب ) ، المجلد
الحادى والخمسون ، جامعة الأسكندرية ،2000 ،ص7.
2- رمضان سليم : البعد النقدى، قراءات فى الأدب والفكر، الدار الجماهيرية للنشر
والتوزيع والإعلان ، ليبيا، 1987، ص 14، 15 .
3- صلاح فضل : مناهج النقد المعاصر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة ،
1996 ، ص 43.
4- محمد على البدوى :علم اجتماع الأدب، النظرية والمنهج والموضوع، دار المعرفة
الجامعية ، الإسكندرية ، 2004 ، ص 13 .
5- على عبد المعطى: فلسفة الفن، رؤية جديدة، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية،
1984، ص 71 .
6- نهاد صليحة : المسرح بين الفن والحياة ،الهيئة المصرية العامة للكتاب ،
القاهرة ،2000، ص 11 .
7- أبو الحسن سلام: اتجاهات فى النقد المسرحى المعاصر بين النظرية والتطبيق،
مؤسسة حورس الدولية للنشر والتوزيع، الإسكندرية، 2005، ص2.
8- محمد على البدوى : مرجع سبق ذكره ، ص 147 .
9- Elizabeth and Tom Burns, Sociology Of Literature and Drama, London, Penguin Books, 1973, P.374.
10- حسين الحاج حسن :علم الاجتماع الأدبى، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر
والتوزيع ، بيروت ، 1983، ص 261.
11- محمد على البدوى : مرجع سبق ذكره ، ص 130.
12- جون فريفيل :الأدب والفن، فى ضوء الواقعية، ترجمة: محمد مفيد
الشوباشى، دار الفكر العربى ، القاهرة ، د ت ، ص 5 .
13- محمد على البدوى : مرجع سبق ذكره ، ص 36 .
14- أمل حركة : دراسات فى علم اجتماع اللغة والأدب، دار المصطفى
للنشر والتوزيع، طنطا ، 2003 ، ص 37 .
15- المرجع نفسه ، ص 37 .
16- محمد على البدوى : مرجع سبق ذكره ، ص 132
17- جون فريفيل : مرجع سبق ذكره ، ص 45 .
18- طارق عبد المنعم : صورة البطل فى المسرح المصرى المعاصر فى
الربع الأخير من القرن العشرين، رسالة دكتوراه
غير منشورة، جامعة الإسكندرية، 2006، ص 7 .
19- Wellek,R and Warren, A., Theory Of Literature ," Penguin Books, 1956, P. 94
20- لاجوس اجرى :فن كتابة المسرحية، ترجمة: درينى خشبة، الهيئة
المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 200، ص 461 .
21- J .L . Styan, "Drama Stage And Audience ", Cambridge University Press, New York , 1975, P. 224, 225
22- بيير زيما : النقد الاجتماعى ، ترجمة : عايدة لطفى ، دار الفكر
للدراسات والنشر والتوزيع ، القاهرة ، 1991 ، ص 72 .
23- أحمد رشدى صالح : فنون الأدب الشعبى ، الهيئة المصرية العامة
للكتاب ، القاهرة، 1997 ، ص 13، 14 .
24- لويس عوض : اتجاهات النقد الأدبى ، (مجلة فصول) ، المجلد الأول ،
العدد الثانى، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ،
1981 ، ص 210 .
25- نبيل راغب : علم النقد الأدبى ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ،
القاهرة، 1997 ، ص 29 .
26- نبيل راغب : دراسة المضمون الاجتماعى فى مسرح سعد الدين وهبه ، (مجلة
المسرح ) ، العدد السادس ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ،
1988 ، ص 7 .
27- رجاء عيد :فلسفة الالتزام فى النقد الأدبى، منشأة المعارف،الإسكندرية،1986، ص11.
28- جى بوريللى : اجتماعية الأدب ، حول إشكالية الانعكاس ، ( مجلة فصول ) ، المجلد
الأول ، العدد الثانى ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ،
1981 ، ص 78.
29- Raymond Williams " Modern Tragedy", Chatto and Windus . 1966 , P . 87,88
30- محمد حمدى إبراهيم : نظرية الدراما الإغريقية ، الشركة المصرية العامة للنشر ـ
لونجمان ، الجيزة ، 1994 ، ص ص 155،174.
31- لويس عوض : المسرح العالمى من إسخيلوس إلى أرثر ميلر ، الهيئة المصرية
العامة للكتاب ، القاهرة ، 1993 ، ص ص 47، 48 .
32- عبد الرحمن صدقى : المسرح فى العصور الوسطى ، الهيئة المصرية العامة للتأليف
والنشر ، القاهرة ، 1969 ، ص ص 142، 147 .
33- أمين العيوطى : المسرح والمجتمع ، (مجلة المسرح ) ، العدد التاسع ، مسرح
الحكيم ، الثقافة والإرشاد القومى ، القاهرة ، 1964 ، ص 44 .
34- محمد على البدوى : مرجع سبق ذكره ، ص35 .
35- مارتن اسيلن : تشريح الدراما ، ترجمة : أسامة منزلجى ، ط1، دار الشروق للنشر
والتوزيع ، عمان ، 1987، ص ص 114، 115 .
36- محمد على البدوى : مرجع سبق ذكره ، ص ص 52، 53 .
37- جرجس الرشيدى : مقدمة مسرحية بيجماليون ، دار الكاتب العربى للطباعة والنشر
، القاهرة ، 1967 ، ص 20 .
38- المرجع نفسه ص 13 .
39- على الراعى : مقدمة مسرحية الشقيقات الثلاثة، الهيئة المصرية العامة للكتاب ،
القاهرة ، 2004، ص ص 13، 14 .
40- رفيق الصبان : المسرح الموجة ، (مجلة المسرح ) ، العدد السابع ، الهيئة
المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 1981 ، ص 41 .
41- سعد أردش : المخرج فى المسرح المعاصر ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ،
القاهرة ، 1998 ، ص ص 195، 196 .
42- أمل حركة : دراسات فى علم اجتماع اللغة والأدب،مرجع سبق ذكره ، ص 226 .
43- رفيق الصبان : مرجع سبق ذكره ، ص 41 .
44- رانيا فتح الله : الاتجاه الملحمى فى مسرح ألفريد فرج ، الهيئة المصرية العامة
للكتاب ، القاهرة ، 1998 ، ص 11 .
45- جان بول سارتر : ما الأدب ، ترجمة : محمد غنيمى هلال ، الهيئة المصرية العامة
للكتاب ، القاهرة ، 2000 ص 83 .
46- رمضان الصباغ : فلسفة الفن عند سارتر وتأثير الماركسية عليها ، مطبعة
شاكوس، الإسكندرية ، 1994 ، ص 178.
47- لطفى فام : المسرح الفرنسى المعاصر ، الدار القومية للطباعة والنشر ،
القاهرة ، 1964، ص 168.
48- Diana Laurenson and Alan Swing wood, Sociology of Literature, New York, Schocken Books, 1972, P.244
49- إيليا حاوى : أوجين أونيل والمسرح الأمريكى المعاصر ، بيروت ، دار الكتاب
اللبنانى ، 1981، ص ص 182، 327.
50- محمد عبد الله الشفقى : فى المسرح ، الدار القومية للطباعة والنشر ، القاهرة ،
1966، ص ص 27، 28.
51- عبد الحليم البشلاوى : مقدمة مسرحية كلهم أبنائى ، الهيئة المصرية
العامة للكتاب، القاهرة ،2005 ، ص 16.
52- أبو الحسن سلام : المخرج المسرحى والقراءات المتعددة للنص ، دار الوفاء
لدنيا الطباعة والنشر، الإسكندرية،2003، ص 70 .
53- المرجع نفسه ص 79.
54- فاطمة يوسف محمد : المسرح والسلطة فى مصر م ن1952 ـ1970 ، الهيئة
المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ،2006 ، ص 80 .
55- بيلار ليرولا ديلغادو : الأيديولوجية الاجتماعية والسياسية فى أعمال يوسف
إدريس، (مجلة المسرح ) ، العدد 92، 93 ،الهيئة
المصرية العامة للكتاب، القاهرة،1996، ص 120.
56- صبرى عبد الحافظ : الأدب والمجتمع ، مدخل إلى علم الاجتماع الأدبى ، (مجلة
فصول ) المجلد الأول ، العدد الثانى ، الهيئة المصرية العامة
للكتاب ، القاهرة ،1981 ، ص 69.
57- صلاح فضل : مرجع سبق ذكره ، ص 29.
58- هربرت ريد : الدور الاجتماعى للفن ، ( مجلة آفاق عربية ) ، العدد الرابع ،
مؤسسة رمزى للطباعة ، بغداد ،1976، ص 53.
59- فاروق عبد الوهاب : دراسات فى المسرح المصرى ، الهيئة المصرية العامة
للكتاب، القاهرة ،1992، ص 5.
60- رشاد رشدى : الواقع الدرامى فى المسرح المصرى ، ( مجلة المسرح ) ، العدد
الثالث ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة ،1964، ص5.
61- إرنست فيشر : ضرورة الفن ، ترجمة : أسعد حليم ، الهيئة المصرية العامة
للكتاب، القاهرة ،1998 ، ص202.
62- أمل حركة : دراسات فى علم اجتماع اللغة والأدب ،مرجع سبق ذكره ، ص 47.
63- Tavis Bogard and William I. Oliver, Modern Drama, New York, Oxford University Press, P.4.
64- لطفى فام : مرجع سبق ذكره ، ص 254.
65- محمد غنيمى هلال : النقد الأدبى الحديث ، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع،
القاهرة ، ، ص 333.
66- رشاد رشدى : اتجاه النقد الموضوعى ، (مجلة الفكر المعاصر ) ، العدد الثانى
والعشرون، الدار المصرية للتأليف والترجمة، القاهرة، 1966،
ص23.
67- محمد عبد المنعم خفاجى : مدارس النقد الأدبى الحديث ، الدار المصرية اللبنانية ،
لبنان ، 1995، ص 179.
68- إبراهيم حمادة : معجم المصطلحات الدرامية المسرحية ، دار المعارف ، القاهرة ،
1985، ص 180.
69- نهاد صليحة : المدارس المسرحية المعاصرة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب،
القاهرة ،1986، ص16.
70- شارل لالو : مبادئ علم الاجتماع "الاستطيقا" ترجمة : مصطفى ماهر ، دار
إحياء الكتب العربية ، القاهرة ، 1959 ، ص 67.
71- جون فريفيل : مرجع سبق ذكره ، ص 13.
72- نهاد صليحة :المدارس المسرحية المعاصرة، مرجع سبق ذكره، ص17، 18.
73- ماهر شفيق فريد : سالومى ، ( مجلة المسرح ) العدد السادس والتسعون ، الهيئة
المصرية العامة للكتاب، القاهرة ،1996، ص 86.
74- محمد غنيمى هلال : مرجع سبق ذكره ، ص ص 304، 333 .
75- حسين الحاج حسن : مرجع سبق ذكره ، ص ص 254، 255.
76- روبين جورج كولنجوود: مبادئ الفن ، ترجمة : أحمد محمد محمود ، الهيئة
المصرية العامة للكتاب، القاهرة ، 2002 ، ص 95.
77- جان بول سارتر : مرجع سبق ذكره ، ص 92.
78- رمضان الصباغ : مرجع سبق ذكره ، ص 223.
79- Gilbert Murray , The Rise Of Greek Epic, Oxford University Press, London , 1934, P.187.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)


